أضعفت الأزمة المالية العالمية شرعية وسلطة البلاد التي انطلقت منها، الولايات المتحدة الأميركية، وقادت إلى أزمة حاكمية عالمية. والسؤال الذي بات مطروحاً في كل من العواصم بكين وواشنطن وبروكسل وطوكيو: من الذي يحكم العالم في سنة 2010، بعد أن كانت سنتا 2008 و2009 مدّمرتين من وجهة النظر هذه؟

في الوقت الحاضر، الغرب يتم تجاوزه من قبل النمور الناشئة (الصين، الهند، البرازيل، وروسيا)، لاسيما أنها تمثل 26 في المئة من مساحة الكرة الأرضية، و32 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة، ويتجمع فيها 42 في المئة من سكان العالم.

وتشكل 15 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فضلاً عن أن حصتها من التجارة العالمية انتقلت من 7 .2 في المئة سنة 2000 إلى 15 في المئة سنة 2009، بفضل نمو الصادرات الصينية العالمية (صحيفة لوموند الفرنسية 16 /4/2010).

فبعد القمة النووية التي عقدت في واشنطن مؤخراً، وحضرها الرئيس الصين هيوجينتاو، عقدت في العاصمة البرازيلية برازيليا القمة الثانية لمجموعة الأربع (الصين، الهند، البرازيل وروسيا)، عمالقة البلدان الناشئة يوم 16 أبريل الجاري.

وكان النجم الساطع في هذه القمة التي حضرها كل من الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف، ورئيس وزراء الهند مانموهان سينغ إلى جانب مضيفهما الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، هو من دون الشك الرئيس الصيني هيوجينتاو، الذي يزور البرازيل للمرة الثانية.

وكان الرئيس هيوجينتاو قد وعد في جولته الأولى لأميركا اللاتينية في سنة 2004، باستثمار 70 مليار دولار في كل من البرازيل والأرجنتين، خلال النصف الثاني من هذا العقد، بيد أن هذا الوعد لم يطبق منه شيء، فالصين استثمرت في البرازيل واحدا في المئة مما استثمرته هولندا ما بين 2007 و2009.

وينجم عن تطور المبادلات التجارية بين العملاق الآسيوي وبلدان أميركا اللاتينية نوع من التكامل بين اقتصادياتها. وتفرض الصين نفسها كقوة عظمى واعدة لأميركا اللاتينية في هذا القرن، يشجعها في ذلك معدلات النمو والاستثمار المرتفعة مرتين أكثر من مثيلاتها في بلدان أميركا اللاتينية، الأمر الذي جعلها تلتهم كميات كبيرة من المواد الأولية لتغذية إقلاع اقتصادها الذي يقوم على التصنيع الثقيل والتصدير المكثف.

وبالنسبة لأميركا اللاتينية، هذه الوليمة هي قبل كل شيء نعمة تمكنها من الاعتماد على قطب جديد من النمو، ومن تنويع صادراتها.

ذلك أن النهوض التجاري للعملاق الصيني ترجم من خلال الارتفاع الجنوني لأسعار المواد الأولية، التي كثر الطلب عليها، فالصين تلتهمها بشراهة لتغذية إقلاعها الاقتصادي الذي يقوم على التصنيع الثقيل والتصدير المكثف، فخلال عام 2003، ازدادت واردات الصين من النيكل مرتين. وازدادت وارداتها من النحاس بنحو 15 في المئة، ومن النفط بنحو 30 في المئة، والصويا بنحو 70%.

والحال هذه، تعد بعض بلدان أميركا اللاتينية من بين المصدرين الكبار للمواد الأولية على صعيد عالمي، فالبترول يمثل 98 في المئة من مبيعات الإكوادور للصين، أما الصويا والمواد المشتقة منه فهي تمثل 80 في المئة من مبيعات الأرجنتين إلى الصين.

وسواء تعلق الأمر بالمواد الزراعية، والنفط أو المعادن، فإن هذه المواد الأولية تشكل مركز ثقل في بنية الصادرات لبلدان المنطقة وبذلك ألقت الصين بصورة طبيعية بظلالها على الإلدورادو الأميركي-اللاتيني.

البرازيل بوصفها القوة الاقتصادية والسياسية الأولى في أميركا اللاتينية تطالب الصين بتصحيح هذه العلاقة من النمط «النيوكولونيالي» التي تعاني منها أيضا، ففي سنة 2009، أصبحت الصين الشريك التجاري الأول للبرازيل، متجاوزة بذلك الولايات المتحدة.

ومع ذلك تتضمن هذه النعمة مساوئها، إذ هي تعزز تخصصا دوليا للبرازيل متمركزا حول المواد، الحديد والنفط، والصويا، التي تتبخر أسعارها.

وتجد البرازيل نفسها في مواجهة المنافسة الصينية الشرسة في فضائها التجاري الطبيعي، أميركا الجنوبية، حيث تخسر البرازيل حصصها من أسواق الأرجنتين لمصلحة الصين.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net.org