تشهد الساحة الدبلوماسية منذ بعض الوقت وقائع حرب مخابراتية فريدة اندلعت قبل فترة وتحاول الأطراف المعنية إخفاءها تحت غطاء ما يسمّى بالعلاقات الثنائية الممتازة القائمة بينهما.

ويبدو من المعطيات المتوفرة على أكثر من صعيد أن الأمور قد بدأت تفلت من سياق القنوات الرسمية التي يمكن ضبطها، وباتت تهدد بتبعات أكثر تأثيرا في الهدوء الدبلوماسي الذي كان سائدا حتى الآن، وتاليا في التعاون التجاري والاقتصادي الذي يأمل أحد جوانب هذا الصراع تطويره لمصلحته بأفضل الظروف الممكنة.

ما يبدو خطيرا حسب تلك المعطيات، هو أن آثار الصدام المذكور ستتسبب بشرخ كبير لسمعة الدول المتورطة في تلك المعركة باعتبارها طرفا منحازا إلى جانب إسرائيل، وتحديدا في ما يخص تأمين الغطاء اللوجستي لعملية تدريب عملاء الموساد الناشطين ضد دول عربية مختلفة مثل لبنان وفلسطين وسوريا وغيرها من الدول العربية.

ويكتسب هذا الخطر بعدا مميّزا واستثنائيا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي قد تمادى مؤخرا باستغلال ثقة حلفائه، موضع الشبهة حاليا، حيث بات لا يتورع عن تنفيذ عملياته ذات الطابع المافيوي حتى في الدول الآمنة والمسالمة البعيدة (جغرافيا) عن ساحة الصراع مثلما جرى مؤخرا في دبي.

وهنا يتساءل المرء ما إذا كانت هذه الدول مقتنعة في قرارة نفسها أن هذه السمعة ستساعدها على تحقيق ما تطمح إليه لتعزيز وإنجاح دبلوماسيتها الاقتصادية في أرجاء الوطن العربي، أم أن أفق طموحها بات محصورا بدرجة ولائها للبرنامج الذي تتبناه دولة إسرائيل في ما يخص التطور الدبلوماسي والسياسي المقبل في أرجاء منطقة الشرق الأوسط.

بداية يجب التوضيح بأن المقصود في هذا السرد هي بعض الدول الأوروبية الواقعة في منطقة وسط أوروبا مثل تشيكيا والمجر، وتاليا الدول الأوروبية الأخرى المساهمة، عن قصد أو غيره، برفد العمل المخابراتي الإسرائيلي التخريبي الموجه ضد الأمن القومي لبعض الدول العربية.

ومؤخرا تم رصد بعض جوانب هذه العلاقة من خلال ما تم كشفه في لبنان أثناء تفكيك الشبكات المخابراتية الكثيرة العاملة لصالح إسرائيل، والتي أفضت لمعلومات في غاية الأهمية والخطورة.

ولعل أبرز ما تم كشفه مؤخرا في هذا السياق هو سعي تلك الدول لتأمين الغطاء اللوجستي للعملاء اللبنانيين المتعاملين مع الموساد، حيث تبين بأن السفارات (التشيكية والمجرية وغيرها) كانت على تواصل مستمر مع الموساد من خلال قنوات تمر عبر مراكز صنع القرار الدبلوماسي في وطنها الأم.

وأهم ما كُشف حول هذا الأمر تناولته بعض وسائل الإعلام اللبنانية (الأخبار) والإسرائيلية (هائاريتس) والتشيكية (إذاعة راديوجورنال)، في حين رفضت الدوائر الرسمية كما هو متوقع، التعليق عليه بأي شكل من الأشكال.

لقد أعاد هذا الواقع الأليم إلى بساط البحث سلسلة من الأفكار التي كنّا نطرحها بشكل مستمر حول طبيعة العلاقات التي تقيمها بعض الدول الأوروبية بالعالم العربي، والتي وصفتها شخصيا ذات يوم بالواقع الدبلوماسي المثير للسخرية.

وجوهر هذه السياسة بات مفهوما للقاصي والداني باعتباره يركّز بشكل خاص على الاستفادة قدر الإمكان من السوق العربي لتسويق البضائع الكاسدة، في حين تبقى العلاقات بتفاصيلها الأخرى خالية تماما من أية حميمية صادقة.

مقابل ذلك تجهد تلك الدول في كيفية تأكيد انتمائها أو دعمها للمشروع الصهيوني المتجسد بالممارسات الإسرائيلية المختلفة، ولا أتحدث هنا عن تلك التي تتسم بطابع أمني فقط، بل عن كافة تطلعات وأهداف ذلك المشروع الذي يتناسق كليا، حسب تعبير كثيرين من منظّري منطقة وسط أوروبا، مع أهداف وغايات الحضارة الأوروبية المعاصرة.

وهذا رأي قائم لكنه لا يجب بالضرورة أن يعبّر عن آراء غالبية الأوروبيين.

فلا يزال في هذه القارة العريقة، حسب رأيي، فسحة أمل كبيرة تعد بإمكانية تحقيق درجة لا بأس بها من الوئام بين العرب والأوروبيين، لا سيما إذا تم إبراز القواسم الكثيرة المشتركة والبناء عليها بهدف تحقيق مصالح الشعوب بشكل مخلص بعيد عن كافة أشكال الابتزاز.

لكن ما يبقى خطيرا في الواقع هو ذلك البُعد الإيديولوجي والفكري الذي يميّز أداء بعض الدبلوماسيات الأوروبية المعاصرة، مثل التشيكية والمجرية وغيرها، والتي تصر على دخول التاريخ الحديث من بوابة دعم المشروع الإسرائيلي مهما كلّفها ذلك من ثمن.

وهذا بات اليوم، في خضم معركة الاستخبارات القائمة، بمثابة استفسار حساس جدا مشهور في وجه القائمين على سياسة تلك الدول، لكنه مطروح أيضا بعلامة استفهام كبيرة، أمام مسؤولي الدول العربية الذين لم يحرّكوا ساكنا حتى الآن إزاء هذه التصرفات، خصوصا وأنها خرجت عن مفاهيم العمل الدبلوماسي وباتت قريبة جدا من حدود العمالة للطرف المعادي.

وهذا رأي أتشاطر به مع كثير من الزملاء المحللين ممّن تورطت دولهم مؤخرا في فضيحة التسهيل اللوجستي لعملاء إسرائيل.

أمام هذا الواقع المرير لا يسعنا إلا أن نعبّر عن بالغ القلق ازاء تصرفات الأجهزة الأمنية في تلك الدول الأوروبية، وتحديدا ما يخص سعيها الدؤوب (والمتوحش أحيانا) لتجنيد أكبر عدد ممكن من أبناء الجاليات العربية المقيمة فوق أراضيها.

وبرغم اعترافي بأن تلك الممارسات هي حق سيادي لكل دولة تطمح لجمع المعلومات بهدف الحفاظ على أمنها الذاتي، إلا أن التجارب الأخيرة أكّدت للأسف تجيير كل ذلك العمل لصالح الدولة العبرية وأجهزتها الأمنية على وجه التحديد.

باختصار شديد.. ان المواطن العربي «المخلص» لمخابرات وطنه الجديد في تشيكيا والمجر وغيرهما لم يعد كما كان يظن رسول محبة وسلام وطمأنينة، بل تحول في الواقع، وبكل سهولة، إلى «مجرد» عميل إسرائيلي بالواسطة!

كاتب لبناني

ezzedine@volny.cz