غطت ضوضاء الانتخابات السودانية الغريبة على معضلة خطيرة في السياسة الخارجية، تمثلت في فشل مؤتمر وزراء ري حوض النيل في شرم الشيخ في منتصف هذا الشهر. وكانت هذه الجولة من المفاوضات شديدة الأهمية لأنه حول الاتفاق الإطاري للعلاقة المستقبلية لهذه الدول.

فقد برز من البداية استقطاب حاد بين دولتي المصب: مصر والسودان، مقابل الدول السبع أو دول المنبع. فقد تبلورت هذه المواجهة في اللقاءات السابقة كلها خلال عام 2009 في كنشاسا (الكونغو) والاسكندرية.

ولكن الاجتماع الأخير في شرم الشيخ، وضع النقاط على الحروف ؟ كما يقولون. إذ عرضت مصر ووقف معها السودان مقترحات هي في مضمونها ثوابت لا تتراجع عنها الدولتان، ولابد من تضمينها في أي اتفاق إطاري قادم. أولا:- وجود نص صريح يضمن عدم المساس بالاتفاقيات السابقة أو بلغة أخرى عدم المساس بحصة مصر المقررة سابقا.

ثانيا: ضرورة الإخطار المسبق لدولتي المصب بأي مشروعات جديدة تنويها دول أعالي النيل أي المنبع. ثالثا:- أن يكون تعديل الاتفاقية أو ملاحقها بالإجماع أو في حالة قبول مبدأ الأغلبية، لابد أن تكون متضمنة لصوتي دولتي المصب.

ظلت هذه المطالب مصدرا للجدل على صعد غير رسمية، ولكنها خلقت موقفا ناقدا أو رافضا بين دول حوض النيل. ومن أهم الأسباب التي ساقتها دول المنبع هي أن الحجج التي تقول بها مصر ومعها السودان، تتخذ من اتفاقية 1929 مرجعية وتلك اتفاقية وقعها الاستعمار مع مصر. وفي ذلك الوقت لم تكن كل تلك الدول ؟ عدا إثيوبيا ؟ ذات سيادة، ولم تقرر مصيرها ولم تكن لديها مشروعات تنموية تحتاج إلى ري ومياه.

وترد مصر أن هذه الدول وعلى رأسها إثيوبيا في زمن الامبراطور هيلاسلاسي، عند تكوين منظمة الوحدة الإفريقية مطلع ستينات القرن الماضي، أكدت على وجوب الحفاظ على الحدود التي رسمها الاستعمار وعدم تغييرها بقصد الحفاظ على الاستقرار والأمن. وترى مصر أن هذا المبدأ ينطبق على مياه النيل تماما.

وقد يثار سؤال هام وهو أن هذه الدول لم تنل استقلالها اليوم، فهي قد قبلت ضمنيا المبدأ طوال هذا الوقت وبالتالي هناك أسباب غير الاستعمار بعثت القضية مجددا الآن؟وقد كان واضحا أن دول المنبع جاءت إلى هذه المفاوضات وما يليها باستراتيجية واضحة ومدروسة، ومتفق عليها، وستعمل هذه الدول على إنفاذها. وهذا ما أربك موقف مصر والسودان.

فقد أعلنت الدول السبع عزمها على إنشاء مفوضية عليا جديدة لإدارة مشروعات دول حوض النيل في عنتبي (يوغندة) في منتصف الشهر القادم. وتقود إثيوبيا هذا التحرك وتطالب بالتوقيع على اتفاقية جديدة لحوض النيل.

وقد صرح الناطق الرسمي الإثيوبي باسم الحكومة، بأن إثيوبيا و6دول أخرى في حوض النيل سوف توقع اتفاق إطار لتقاسم مياه النيل يوم14 مايو القادم. والدول التي تقف مع إثيوبيا، هي:أوغندة وتنزانيا وكينيا ورواندا وبروندي والكونغو الديمقراطية.

شعرت مصر ساندها السودان، بخطورة الأزمة هذه المرة، لذلك أعلن عن خطة تحرك سريع يستبق ما يمكن أن يحدث خلال الشهور القادمة. وقد خاطبت القيادة العليا في مصر والسودان، رؤساء الدول السبع.

إذ لم تعد القضية فنيا فقط تتعلق بالحصص، بل تمس استقرار العلاقات الإقليمية في المنطقة ككل مما يستدعي النظر في جوهر طبيعة تعايش هذه الدول معا. ثم العمل على إقناع هؤلاء الرؤساء على عدم التوقيع على أي اتفاقية جديدة. وأخيرا مخاطبة المجتمع الدولي وبالذات دول المبادرة من المانحين الذين يمولون المشروعات المائية الجديدة.

ويعول هذا التحرك على القرار السياسي للرؤساء. ولكن مع تزايد رأي عام مطالب لتغيير الأمر الواقع الحالي في توزيع الحصص المائية صعبا.

فقد بدأت أجهزة الإعلام الكينية تناقش على نطاق واسع موضوع بيع مياه النيل لمصر كأي سلعة، وأن يتم التعامل مع مياه النيل كما تتعامل الدول مع البترول الذي يتم استخراجه من أراضيها. وهذا باعتبارهما مصادر طبيعية(صحيفة جيما تايمز نقلته الشروق المصرية24/4/2010).

سوف تشكل قضية مياه النيل بؤرة توتر ونزاعات مستمرة في حالة الفشل في الوصول إلى اتفاق مجمع عليه. وبالتأكيد سيكون لانفصال الجنوب بعد استفتاء عام2010 أثره السلبي الشامل على استقرار المنطقة.

واستقلال الجنوب يعني ظهور دولة ثامنة سوف تطالب بحصتها، وستكون مصر أكثر المتأثرين، فقد كانت في الماضي تتفاوض مع سودان واحد متوافق معها، ولكن الوضع سوف يختلف كثيرا إذ لا يوجد ما هو مشترك مع الجنوب المستقل.

وكانت مصر تتحدث كثيرا عن الدور الإسرائيلي في إفريقيا التي ظلت ساحة ممتدة للصراع العربي-الإسرائيلي. وقد اهتم عبدالناصر بالعمق، ولكن الاهتمام المصري أكثر بالدائرة العربية، كان خصما على تأثيرها الإفريقي رغم المصالح الحيوية في القارة.

فقد ضعف الوجود والأثر المصريين في الأعوام الأخيرة، وكانت البعثات التعليمية المصرية تنتشر في الصومال وشركات النصر تنشط حتى غرب إفريقيا. فقد تركت مصر فراغا حقيقيا، ولابد من إحياء هذا الدور مجددا.

كان مخطط الاستعمار التقليدي يقوم على تقسيم إفريقيا إلى جنوب الصحراء وشمالها. ولم يكن هذا التقسيم مجرد تقسيم جغرافي ومكاني، ولكنه حضاري وثقافي. يقصد به إفريقيا العربية المسلمة في مواجهة إفريقيا الزنجية والمسيحية والاحيائية الأديان. وكانت بذور مشكلة الجنوب في السودان والنزاعات الاثنية في نيجيريا موجودة في هذه الاستراتيجية.

وفشلت الدول الإفريقية بسبب هذه السياسة في بناء دول وطنية قوية بعد الاستقلال لأنها لم تستطع التعامل مع التعددية الثقافية والاختلافات الاثنية. فهذه بدورها نتيجة الحدود المصطنعة التي فرضها الاستعمار ولم تضع اعتبارا للانسجام والوحدة بين الكيانات.

ومن أخطر نتائج مشكلة إعادة توزيع الحصص المائية التي تواجهها دول حوض أن يتم توظيف فكرة إفريقيا شمال وجنوب الصحراء في تأجيج الصراعات في الفترة القادمة. ومن المعروف أن إحياء مثل هذه الصراعات تبعث مع الأزمات الاقتصادية والفشل السياسي حيث تحتاج البيئة إلى مبررات تساعد في الهروب من مواجهة الأسباب الحقيقية للمشكلات والأزمات.

والسؤال هو هل يمكن أن تكون مصر والسودان جسرا بين الثقافات في إفريقيا أم يغرق البلدان في مياه النيل؟ فهذه الأزمة اختبار حقيقي، ويخطئ من يتحدث عن أن مصر أو السودان يحتفظ بحقه أو حقها في استخدام كل الوسائل. فهذه دعوة مبطنة للجوء للقوة في حل النزاعات.

ولكن الحل والحق يكمن في البحث عن وسائل التكامل الإقليمي، وبالذات في موضوع المياه هناك الكثير من المشروعات الزراعية المشتركة التي يمكن أن تنجزها هذه الدول وتعم الفائدة بينها. والفرصة ماثلة الآن قبل اجتماعات يونيو القادم في الابتعاد عن المناورات والمناوشات غير المجدية.

كاتب سوداني

ssc_sudan@yahoo.com