يوماً بعد يوم تتفاقم حرب المخدرات في المكسيك أكثر فأكثر، دون أن تظهر أية دلائل تشير إلى أنها ربما تنحسر في المستقبل المنظور.ولقد شهدت البلاد في مارس الماضي أسبوعاً دموياً اعتبر الأكثر عنفاً في عهد الرئيس فيليب كالديرون، الذي وصل إلى سدة الحكم قبل أكثر من ثلاثة أعوام، حيث قتل خلال سبعة أيام فقط أكثر من 256 شخص في جرائم متعلقة بالمخدرات، بحسب صحيفة ريفورما، الصادرة في مكسيكو سيتي.
وخلال تلك الفترة أيضاً، وفي 13 مارس، قتل ثلاثة أميركيين في مدينة سيوداد هواريز، إثنان منهم مسؤولان قنصليان، والثالث حارس، وذلك في أحد السجون على الجانب الآخر من الحدود، بمدينة إل باسو في تكساس.
وفي وقت سابق من العام الجاري، وفي 31 يناير، قتل بطريق الخطأ، كما يبدو، 15 صبياً وفتاة بالرصاص أثناء تواجدهم في حفل بمدينة سيوداد هواريز. وما زال القتلة فارين من قبضة العدالة.
وفي رحلته الأخيرة إلى هواريز هذا العام، شدد الرئيس كالديرون على أن العنف آخذ بالتراجع، بفضل نشر حوالي عشرة آلاف جندي مكسيكي في مناطق التوتر منذ قرابة العام.
لكن هذه التأكيدات تبدو أقرب إلى التمني منها إلى الواقع بالنسبة للكثير من المكسيكيين، الذين شهدوا بأنفسهم سلسلة الحوادث المأساوية التي ضجت بها البلد خلال الأيام القليلة الماضية.
وتبرز في خضم هذه الكارثة ثلاثة أسئلة مهمة: السؤال الأول يتخذ صبغة أكاديمية في هذه المرحلة: كيف وصلت المكسيك إلى هذا الحال من الفوضى والعنف، في المقام الأول؟
من الملاحظ أن جميع التفسيرات التي قدمت إلى الآن إما زائفة، كالحديث عن زيادة الاستهلاك المحلي، أو يتعذر إثبات صحتها، كالحديث عن زيادة معدلات العنف والفساد. وهذا يعني أن التفسير الحقيقي يكمن في أمور أخرى.
ويمكن الاستدلال عليه، بالنسبة لعدد متزايد من المكسيكيين، في محاولة كالديرون إضفاء الشرعية على نفسه كرئيس للمكسيك بعد فوزه الهزيل في انتخابات طعن العديد من المواطنين في نزاهتها.
وقد نجحت تلك الاستراتيجية لبرهة وجيزة من الزمن، أعرب خلالها فيها الرئيس، وهو القائد الأعلى للجيش،عن ارتياحه لازدياد شعبيته في استطلاعات الرأي. لكن هذه الاستطلاعات نفسها تظهر الآن أن شعبيته آخذة بالانخفاض، بشكل حاد، وبوتيرة متسارعة، منذ أواخر السنة الماضية.
السؤال الثاني يتعلق بفعالية هذه الحرب، وما إذا كان يؤمل بوجود أي نهاية لها في المستقبل المنظور. في الوقت الراهن، تبدو الإجابة على كلا التساؤلين سلبية.
فالمستويات الإجمالية للعنف ارتفعت بدل أن تنخفض، والارتفاع المفترض في أسعار المخدرات في شوارع الولايات المتحدة كان ثانوياً أو مؤقتا. كما أن الدولة لم تتمكن من استعادة سيطرتها الكاملة على أية منطقة في البلد، وتلك الأمثلة القليلة على النجاحات الجزئية على هذا الصعيد تدوم فقط طالما الجنود موجودين على الأرض.
ووجهة النظر التي تطرحها الحكومة المكسيكية، وتشترك معها فيها إدارة أوباما على نحو مستهجن للغاية، والتي تعتبر تزايد العنف مؤشر نجاح، إنما تستدعي إلى الأذهان ذكريات مأساوية مخيفة عن أعداد القتلى في فيتنام. وفي الحقيقة ليس هناك، حتى الآن، أي تحليل منطقي يبرر مواصلة هذه الحرب التي لا يبدو أنها تتجه نحو تحقيق أية أهداف. ما الحل؟
هذا يأخذنا إلى السؤال الثالث: ما الخيارات الأخرى التي يمكن ان تلجأ إليها المكسيك؟
بما أن هذه الحرب تتجه بشكل متزايد لتكون حرب أوباما، بقدر ما هي حرب كالديرون، علينا أن نسأل أيضاً: ماذا بوسع واشنطن أن تفعل؟ هناك على الأقل ثلاثة خيارات، ليس من بينها ولا خيار واحد مثالي، لكن جميعها أفضل من الوضع الراهن الذي يرثى له.
الخيار الأول، والأكثر تواضعاً وبساطة، هو متابعة الاستراتيجية والسياسة نفسها، لكن دون التبجح على الملأ بالحديث عنها.
والخيار الثاني يمكن أن يتمثل في إعادة النظر بالقضية برمتها والشروع في بداية جديدة من نقطة الصفر.
وزير خارجية المكسيك الأسبق
opinion@albayan.ae