لا يزال الكيان الإسرائيلي يصر على تقديم الأدلة والبراهين على عدم رغبته في الانخراط في عملية السلام بشكل جدي وإنجاحها، وأن كل ما يفعله هو يصب في خانة التعطيل والتعقيد. ودائمًا ما يبرهن على هذه الرغبة كسياسة ثابتة في برنامجه السياسي، عندما تحين لحظة استحقاق أو محاولة طرف ما بذل جهده لإحياء عملية السلام أو تهيئة الأجواء للبدء بمفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، والهدف من وراء ذلك إفشال كل جهد مبذول.

وما قام به أمس يهود عنصريون من استفزاز في حي سلوان بالقدس الشرقية المحتلة ووضع أسماء يهودية على شوارع وأراضي الشعب الفلسطيني في الحي، وذلك لتأكيد ما يزعمون سيادتهم على المدينة المقدسة برمتها، يندرج في إطار السياق ذاته.

حيث كان الهدف من هذا الشغب الذي بثه الهمجيون في حي سلوان والذي مورس تحت حماية أمنية مشددة من قبل قوات شرطة الاحتلال، جر الفلسطينيين إلى مواجهات مع قطعان المستوطنين لإفشال جولة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل وإعطاء انطباع بأن الفلسطينيين هم مصدر إزعاج وقلق لتلك القطعان، وبعث رسالة للمسؤولين الأميركيين بأن لا فائدة من محاولاتكم.

وطبعًا هذا الأسلوب الإسرائيلي ليس جديدًا أو غريبًا على من طبعه الكذب والتدليس والتفنن في الألاعيب وابتداع المناورات.

فهو يذكرنا بالأسلوب الوقح وغير الحضاري وغير الدبلوماسي الذي علمهم إياه كبيرهم رئيس الوزراء المتطرف بنيامين نتنياهو، حين أطلق أكبر مشروع استيطاني في القدس المحتلة في الوقت الذي يحل عليهم نائب الرئيس الأميركي جو بايدن ضيفًا سعيًا منه إلى إطلاق المفاوضات غير المباشرة، موجهًا صفعة وإهانة لنائب رئيس أكبر حليف وحامٍ وممول لكيانه الغاصب.

ثمة محاولات تبذلها الولايات المتحدة لمباشرة المفاوضات غير المباشرة، حيث قدم ميتشل دعوة من الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى الرئيس الفلسطيني لزيارة واشنطن مايو المقبل، على أن يعقبه نتنياهو في الشهر عينه، حسب وسائل الإعلام الإسرائيلية. يأتي ذلك وسط رفض إسرائيلي لأي شروط مسبقة، والمتمثلة في وقف كافة الأنشطة الاستيطانية.

ووسط حديث إسرائيلي عن أن الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة عرضت على القيادة الفلسطينية اقتراحًا ينص على توسيع صيغة جنين النموذجية؛ بمعنى تسليم الفلسطينيين المسؤولية الأمنية عن أي منطقة يثبتون فيها قدرتهم على حفظ الأمن ومكافحة "الإرهاب"، وليس دولة بحدود مؤقتة ..

أي أن الإسرائيليين يريدون من الفلسطينيين التنازل عن مطلب الدولة والقبول بالتنمية الاقتصادية وممارسة دور الشرطي الحارس لأمن الكيان الإسرائيلي، وهو ما يقودنا إلى الطرح الذي أعلنه نتنياهو بعيد الانتخابات وإعلان برنامج حكومته.

مع الجزم بأن ما ينوي الاحتلال تنفيذه قابل لذلك وإنما هي مسألة وقت فقط، ومن بين ذلك القرار العنصري القاضي بإبعاد ما يربو على عشرة آلاف فلسطيني من الضفة الغربية.

ولذلك وعلى ضوء هذه المرحلة العصيبة التي يمر بها الشعب الفلسطيني ينبغي على العرب ألا يقفوا موقف المتفرج ويتركوا الفلسطينيين لقمة سائغة في فم الاحتلال الإسرائيلي، بل لا بد من التقدم بآليات عملية من شأنها أن توقف هذا الاستهتار والاستخفاف الإسرائيليين ووضع حد لهما.

فبيدهم وسائل فعالة وقادرة على أن تعيد الأمور إلى نصابها وأن تستنهض الخمول والتردي في الموقف العربي، وما قرار الطرد العنصري من الضفة إلا ناتج عن الهوان العربي والصمت المطبق، فكما هو معروف عن السياسة الإسرائيلية أنها في البدء تسرب ما تريد تحقيقه كاختبار لمدى رد الفعل الذي على ضوئه يتم التحرك.

إن على العرب توفير مساندة عربية مباشرة فاعلة ومؤثرة لأشقائهم الفلسطينيين لحمايتهم وتعزيز موقفهم خلال اللقاءات المقترحة في واشنطن، حتى لا تعوض الإدارة الأميركية فشلها في الضغط على إسرائيل بالمزيد من الضغط على الطرف الأضعف في معادلة الصراع، وهم هنا الفلسطينيون بالطبع، وحتى لا يكون الفلسطينيون الجانب الذي تؤكل كتفه.