يحيي الفلسطينيون في شهر نيسان من كل عام، فعاليات يوم الأسير الفلسطيني، حيث يتابع الشعب الفلسطيني في فلسطين والشتات إحياء هذا أسبوع الأسير بأفئدته التي تدق وتتدفق فيها الدماء وهي تحمل العزيمة والإصرار من أجل العمل على تحريرهم وإطلاقهم من سجون الاحتلال، كما وعيونه شاخصة نحوه بكل تقدير واحترام، فهم كبرياء الشعب وفخاره وعزته وكرامته وصناع الطريق نحو فلسطين.
إن الوقائع تشير إلى أن أكثر من (800) ألف فلسطيني من أبناء فلسطين في الأراضي المحتلة عام 1967 في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة قد تعرضوا للاعتقال والتوقيف منذ العام 1967 وحتى اللحظة.
واليوم يقبع أحد عشر ألفا ومئة وتسعة أسرى في سجون الاحتلال، منهم حوالي (800) من قطاع غزة، و(500) من القدس والأراضي المحتلة عام 1948، والباقي من الضفة الغربية المحتلة، كما يبلغ عدد المعتقلين من الأطفال حوالي (400)، و(33) معتقلة، و(16) نائباً من أعضاء المجلس التشريعي، وبضع مئات من الأسرى العرب الذين التحقوا بصفوف المقاومة في فلسطين.
ومن بين الأسرى يقبع الآن في معتقلات الاحتلال (313) أسيرا ممن تجاوزت سنوات اعتقالهم الثلاثين عاماً وعلى رأسهم الأسير نائل البرغوثي، إضافة للمئات من القيادات الميدانية والسياسية، وفي مقدمتهم الأسير يحيى السنوار الذي وضعته سلطات الاحتلال من جديد في العزل الانفرادي.
والأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات، وبعض قادة تنظيم حركة فتح في الضفة الغربية كمروان البرغوثي. وقد استشهد خلال تلك السنوات (200) أسير فلسطيني داخل المعتقلات الصهيونية.
ويتوزع الأسرة على سجون الاحتلال بواقع (1905) أسرى في سجن النقب، و(2000) أسير في سجن مجدو، و(1860) أسيرا في سجن عوفر، و(1870) أسيرا في سجن نفحه، و(1500) أسير في سجن ريمون، و(920) اسيرا في سجن عسقلان، و(650) أسيرا في سجن هداريم، و(360) أسيرا في سجن بئر السبع، و(362) أسيرا في سجن جلبوع، و(400) سجين في سجن شطه، و(45) أسيرا في سجن مشفى الرملة، و(200) أسير في سجن الرامون، و(37) أسيرا في سجن تلموند وهشارون.
ومن المعلوم بأن هناك أعداداً كبيرة من الأسرى يعانون من أمراض خطرة جراء انعدام الرعاية الصحية والطبية وسوء التغذية. كما يعاني قرابة ألف أسير منهم من حالات مرضية خطيرة تحتاج إلى علاج طارئ وعمليات جراحية عاجلة، فضلاً عن المئات من الأسرى الذين يعانون من الأمراض المزمنة ومضاعفاتها الخطيرة على حياتهم.
وفي هذا السياق، إن عمليات قمع الأسرى داخل السجون والمعتقلات على يد جيش الاحتلال وقواته الأمنية تواصلت بشكل مستديم، بل وتصاعدت في الأعوام الأخيرة بشكل ملحوظ، لكنها سجلت ارتفاعاً لم يسبق له مثيل منذ العام 2007 تزامناً مع قدوم مدير مصلحة السجون الجديد بيني كيناك.
ومؤخراً استخدمت قوات الاحتلال وحدتا «نخشون» و«ميتسادا» في قمع الأسرى الفلسطينيين منذ سنوات، وهي الوحدتان التي استخدمتهما أمس في اقتحام بعض أقسام سجن «عوفر» خصوصاً قسم «الوحدة الوطنية» كجزء من سلسلة انتهاكات طويلة لحقوق الأسرى التي تصنف وفقاً للقانون الدولي على أنها جرائم حرب.
ولا يوجد اختلاف بين عناصر «ميتسادا» أو «نخشون» من حيث التدريب والتسليح وحتى المهام والأهداف، وإن كانت الأخيرة قد شكلت لقمع المعتقلين بينما الأولى وظيفتها إنقاذ محتجزين، إلا أن الوحدتين قد استخدمتا لقمع المعتقلين، وأفرادهما مزودون بأحدث الأسلحة لقمع إرادة الأسرى العزل.
إن وحدة «نخشون» تعتبر من أكبر الوحدات العسكرية في جيش الاحتلال، وشُكلت خصيصاً حسبما هو معلن لإحكام السيطرة على السجون عبر مكافحة ما يسمى بأعمال «الشغب» داخلها، وهذه الوحدات الخاصة ترتدي زياً مميزاً كتب عليه أمن السجون.
ومن المعروف بأن تلك الوحدتين القمعيتين مزودتان برصاص حي تستخدمه في قمع الأسرى، وقد أصاب رصاصهما في إحدى حملاتها القمعية الشهيد محمد الأشقر، وهي ليست المرة الأولى التي يستشهد فيها أسير نتيجة لإصابته برصاص حي.
إذ سبق وأن استشهد سبعة من الأسرى نتيجة إصابتهم بأعيرة نارية من قبل الجيش المدججين بالسلاح أو الوحدات الخاصة ومنهم الأسيران أسعد الشوا وعلي السمودي اللذان استشهدا في معتقل النقب في 16 آب (أغسطس) عام 1988 برصاص جنود الحراسة المدججين بالسلاح.
إن جرائم وحدات «نخشون» لم تقتصر على القمع والضرب والإيذاء المعنوي والجسدي ضد الأسرى، بل امتد في كثير من الأحيان للمساس بالمشاعر والمقدسات الدينية، متمثلة بقذف المصاحف الشريفة على الأرض والدوس عليها وتدنيسها وتمزيقها.
إن أسرى فلسطين شكلوا دوماً مدرسة في العمل الوحدوي الفلسطيني، فهم أكثر من جسد الوحدة الوطنية الحقيقية المنشودة، وحدة الشعب والمقاومة، ووحدة العمل الفلسطيني في مقارعة السجان وسطوة الاحتلال، فهم بادروا أكثر من مرة لإعلان صوت الوحدة الوطنية في وجه الانقسام ومخاطره.
إن أسرى فلسطين يستحقون كل الاهتمام والانتباه، ويستحقون بذل كل الجهود من أجل تحريرهم وإطلاق سراحهم وهم مرفوعو الرأس بعزة وكرامة.
ومن هنا أهمية القيام بحملة تضامن مع قضية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين والعرب في السجون الإسرائيلية، والعمل لدى جميع المؤسسات الدولية السياسية والقانونية والحقوقية من اجل فرض إطلاق سراحهم دون قيد أو شرط.
وفي هذا السياق، يقع على عاتق اللجنة الدولية للصليب الأحمر والأمم المتحدة وجميع المؤسسات الدولية والإنسانية ضرورة التدخل المباشر لدى قوات الاحتلال الإسرائيلي لضمان تطبيق اتفاقية جنيف على الأسرى ومعاملتهم كأسرى حرب، والعمل وإجبار إسرائيل على إطلاق سراح كافة الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين والعرب من معتقلاتها.
إن ملف الأسرى قضية هامة وحيوية، لا تقل أهمية عن سائر المواضيع التي يفترض أن يهتم بها، كما أن سلطات الاحتلال تسعى في سياق آخر إلى تجريد قضية الأسرى من مرجعياتها السياسية والقانونية وتحاول أن تحتكر هذا الملف لصالح رؤيتها وشروطها العنصرية وتجاهل وجود شريك فلسطيني.
مع عدم الاعتراف بالمعتقلين الفلسطينيين كأسرى حرب، وما يشكّله من انتهاكاً للقانون الدولي المتعلق بأسرى الحرب، ومن ضرب لقرارات الشرعية الدولية المتضمنة حماية المدنيين في المناطق المحتلة.
كاتب فلسطيني ـ دمشق
bdwan60@aloola.sy