ما هي حقيقة وجدوى تلك التصنيفات السائدة التي تفصل على نحو حاسم ونهائي بين العلوم والمعارف والثقافات، على أساس عرقي أو ديني أو جغرافي، بين محلي ووافد أو شرقي وغربي أو إسلامي وغربي؟
ما أراه أن هذه التقسيمات التي تتحكم في العقول، تنطوي على قدر من التبسيط والخداع والتهويم. فهي تحجب واقع التعدد والتنوع أو التباين والتعارض الذي ينسج منه كل مجتمع بشري أو عالم ثقافي، كما تطمس واقع التلاقح والتبادل بين الخصوصيات الثقافية والهويات الحضارية.
وهي إلى ذلك تعيق حركة التجديد والتطوير في الأفكار، وهو مدار الكلام هنا، بقدر ما تغلب الاعتبارات الأيديولوجية والنضالية على المشاغل المعرفية والصناعة المفهومية. ولذا أوثر الدخول على مسألة العلاقة بين الأنا والآخر، من مدخل التبادل الحضاري والثقافي.
هذا ما يشهد به التاريخ والواقع ماضياً وحاضراً، حيث لا أحد بمنأً من التأثر بغيره والإفادة من منجزاته، سواءً كان شريكاً أو صديقاً أو عدواً، عرف أم لم يعرف. ولا تأثر من غير تبديل أو تغيير.
والمهم هو كيفية التأثر: ماذا نصنع بما نفيده من الغير؟ وعلى أي وجهٍ نستثمره ونحولّه: غنيً أم فقراً، على سبيل التحويل المنتج والبنّاء أم لإعادة إنتاج الجهل والتخلّف والتعصّب، ولو توقفنا عند العرب والمسلمين في العصر العباسي، نجد أنهم استوعبوا الثقافات القديمة وهضموها، ونجحوا في تطويرها وتجديدها والإضافة إليها.
لقد أفادوا من فلسفة اليونان ومنطقهم، فوائد جليلة، بقدر ما نجحوا في إغناء ذلك وتوسيعه وتجديده، إن في الحقول والمسائل أو في المفاهيم والمقولات، غير أن ما نجح فيه القدامى، لم ينجح فيه المحدثون والمعاصرون، سيما في فروع العلم وميادين المعرفة، بالرغم من جدة وأهمية ما ألف، منذ نحو قرنين، إذ لم نستطع بعد، على هذا الصعيد، إنتاج ما هو جديد ومبتكر.
والعلّة في ذلك جملة من العقد والآفات والأفخاخ التي تشتغل كأقفال تطبق على العقل وتشل الطاقة عن التفكير بصورة حرّة وخلاّقة، لكي تعرقل أعمال الاختراع والابداع الخارقة لحواجز اللغات والثقافات.
وسأتوقف عند بعض الأمثلة: أولها الزيف الوجودي الذي يمارسه مثقفون ومفكرون عرب أو مسلمون بكلامهم عن الغزو الثقافي الغربي، أو عن الأفكار المستوردة والمستعارة، ناهيك عن الذين يحدثوننا عن احتلال العقل العربي من جانب العقل الغربي، فيما هم ثمرة للثقافة الغربية في مجمل معارفهم وطرائق تفكيرهم ومقارباتهم النقدية، فضلاً عن أدواتهم وأسباب معاشهم.
ولو جُرّدوا مما أفادوه من الغرب، لجُرّدوا أولاً من ألقابهم، ولما بقيَ في عقولهم سوى مقولات خاوية أو مناهج قاصرة أو ممارسات مُعتمة أو فتاوى بائسة ومضحكة، والوجه الآخر للزيف الوجودي هو الداء النرجسي الذي يوهم أصحابه بأنهم ملاك الحقيقة، فيالخجلنا من الخوارزمي وابن الهيثم والبيروني.
لو كان هؤلاء يفكرون على شاكلة المفسرين المشعوذين، لما أنتج العرب حرفاً أو رقماً على صعيد العلوم.
من الآفات أيضاً التعامل مع مسألة الحرية بعقلية فردوسية بوصفها طبيعة أو فطرة فُطر الأنسان عليها، على ما يفعل بعض المثقفين العرب الذين ما تعبوا من تكرار الشعار القائل بأن الناس يولدون أحراراً.
والوجه الآخر لما يقوله المثقف العربي هو ما يقوله المثقف الغربي كتشومسكي الذي يفهم، هو الآخر، الحرية كغريزة مركوزة في النفس.
ولو كانت الحرية فطرة أو غريزة، لما كان ثمة معنى لها أصلاً، إذ عندها تمسي ضرورة حتمية. إن الحرية هي ثمرة ثقافة وتجسيد لشكل من الوعي تماماً كالعبودية.
وهناك أناس يجدون سعادتهم في عبادة غيرهم، كما هي حال أولئك الذين ينتشون بصور زعمائهم أو بالاستماع إلى خطبهم. وهذا شأن المرأة التي ترتدي البُرقع راضية مرضيّة، لكي تقيم في سجنها النقّال، كما يصفه بعض الفرنسيين.
هذا ما يفسّر كيف ترجمت الحرية إلى ضدها على يد عشّاقها. الأجدى إعادة النظر في المسألة، لأن الحرية هي جهد ومراس، تجربة وخبرة، صناعة وتحويل، بناء وتركيب، أي هي مسار أداته انتاج أو ابداع لا يتوقف، وعلى النحو الذي يتيح للمرء أن يمارس فاعليته وسلطته، أو أن يكون له دوره وأثره.
ومن لا سلطة له لا حرية له. إن كتابة رواية ناجحة من جانب امرأة، هو عمل له مفعوله التحرّري اكثر من عشرات الخطابات النضالية النسوية.
وهذا أيضاً مصير شعار التنوير العقلي الذي تُرجم بضدّه ومورس على عكس مقتضاه. فالمتنور هو مَن يملك الجرأة على استخدام عقله، أو يمتلك قدراً من الاستقلالية الفكرية، على نحو يتيح له الخروج من قصوره أو تحرره من اشكال الوصاية التي تخنق حيويته أو تقتل طاقته الخلاقة. ومع ذلك نجد، اليوم، تنويريين عرباً يفهمون التنوير من خلال مفردات الوصاية والنبوّة.
هذه حال من يعتبر أنه لا خلاص للعرب مما هم فيه من العجز والتردي، الا بظهور نبي مبشّر أو فيلسوف منظّر أو مفكّر ثائر يكشف للأمة امراضها ويفكّك عقدها أو يحلّ مشكلاتها، أي يشخّص الداء ويقدم الدواء، باعتباره يملك وحده القدرة على الوقوف على السِرّ أو كشف العلّة، أي القبض على الحقيقة وامتلاك مفاتيحها.
وهكذا أسقط من يدنا وختم على عقولنا، بانتظار أن يظهر بين الجموع الحاشدة والنخب الفاشلة مهدي منتظر هو بمثابة منقذ مخلّص ينوب عن الجميع في التفكير والتقدير والتقرير، بوصفه أولى منهم بأنفسهم، على ما هو تعريف النبوة. فما أبعدنا اليوم عن أبي العلاء المعري، الذي كان يقول: أيها الغرّ قد خصصت بعقل فاستشره كل عقل نبي.
وليس غريباً إذاً أن تترجم مفاهيم التنوير العقلي إلى ممارسات معتمة أو إلى اساطير مؤسسة، لكي نزداد قصوراً أو عجزاً وتبعية. واخيراً، هذا هو ايضاً مصير الشعار الانساني المتعلق بحقوق الانسان وحرياته.
ما زال المثقفون يدافعون عن الانسان بذهنية أشرف الخلائق وعقلية سيّد الطبيعة. ولكنّ ما نحسبه الحل هو المشكلة، بمعنى أن نموذج الانسان الذي ندافع عنه ونطالب بحقوقه، هو مصدر المصائب والمخاطر، بمركزيته وعنصريته وشراسته وجشعه وفاشيته.
وإلا كيف نفسر أننا لا نحسن سوى الاساءة إلى الحقوق وانتهاكها! كيف نفهم أن يتحوّل الضحية إلى جلاّد والمظلوم إلى قاهر؟ أخلص من ذلك إلى القول: لا مجال على صعيد العلوم والمعارف، أن نقيم جدراناً عازلة بين الأنا والآخر، سيما اليوم في عصر الاعتماد المتبادل.
فما يحدث من تحولات وأزمات وانهيارات، هو فرصة، لكي ننخرط في المناقشات العالمية الدائرة، لكي نسهم في تطوير العدة الفكرية المستهلكة، سواء في ما يخص المواطنة والحرية أو الثقافة والهوية أو الانسان وحقوقه. وذلك يحتاج إلى أن نمارس التقى والتواضع، وأن نفكر بمنطق الاعتراف والتداول، بقدر ما تتقن لغة الخلق والتحوّل.
كاتب لبناني
harb@cyberia.net.lb