نستحضر دائماً في ذكرى النكبة الفلسطينية عوامل ومسببات النكبة وقيام تلك الدولة الصهيونية على أنقاض الوطن والشعب العربي الفلسطيني، ونتذكر قبل كل شيء وعد بلفور الذي منح فلسطين «وطناً قومياً لليهود ـ بغير حق»، وحول النبوءة الهرتسلية من وهم إلى حقيقة.

وكلما حلت مجزرة أو نكبة جديدة بالفلسطينيين نتذكر ذلك الوعد ونجرم بريطانيا الاستعمارية، وكلما اقترفت دولة الاحتلال المزيد من النكبات نلعن دائماً سايكس بيكو ووعد بلفور الذي لا ينتهي.

فالوعد يلاحقنا بتداعياته الواسعة الكارثية على مدار الساعة، والوعد تحول إلى تطبيقات وانجازات صهيونية اعجازية ـ كما يقولون، بل انضم إليه المزيد من الوعود بغير حق أيضاً.

فما بين الأمس وذلك الوعد، واليوم نقرأ التالي: «أرض فلسطين التاريخية هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي»، فما الفرق إذاً..؟

قد يخطر ببال البعض فوراً اننا أمام بلفور، أو بوش، أو نتنياهو أو باراك أو أي متشدد صهيوني من جهتهم هناك في «إسرائيل»، ولا يخطر بالبال ان يكون القائل هنا هو الرئيس الأميركي اوباما بقلمه ولسانه.

فالرئيس اوباما يطل علينا اليوم في ذكرى النكبة ليقدم ما يشبه وعداً بلفورياً جديداً ل«إسرائيل» يمنحها فيه اعترافاً متجدداً بأن «فلسطين هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي»..أليس هذا الوعد هو ذاته وعد بلفور الذي منح «فلسطين ـ أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض ـ كوطن قومي لليهود» قبل نحو ثلاثة وتسعين عاماً.

ويضيف اوباما: «بعد دقائق من إعلان دافيد بن غوريون عن استقلال إسرائيل، وتحقيق الحلم بدولة للشعب اليهودي في وطنهم التاريخي، كانت الولايات المتحدة أول دولة تعترف بإسرائيل. فيا للعجب.. كأن هذه الأقوال كتبت بيد إسرائيلية.

أو كأن الرئيس اوباما يحتاج صباح كل يوم إلى ان يعلن ولاءه وإخلاصه لإسرائيل، وبهذه الاعترافات التي وثقها الرئيس اوباما في رسالة التهنئة التي بعث بها إلى الحكومة الإسرائيلية بمناسبة ما يسمى «الذكرى ال62 لقيام دولة إسرائيل»، يغدو عارياً تماماً ومجرداً من آخر الأقنعة الاعتدالية المضللة التي نجح في تسويقها على العرب حتى الآن.

بل إن اوباما الذي كان قد أعلن في وقت سابق عن إعجابه ب«إسرائيل المعجزة»، عاد في رسالته ليبدي تقديره لما أسماه «الإنجازات غير العادية التي حققها الشعب الإسرائيلي»، وأية انجازات يا ترى؟

سياسات التطهير العرقي والمجازر والمحارق والسطو المسلح على وطن وممتلكات وتاريخ وتراث الشعب العربي في فلسطين. فهل هذه هي الانجازات المعجزة؟

وبعد أن علق العرب الآمال الواسعة على سياسة جديدة للرئيس اوباما، منتظرين أية حركة أو مبادرة حقيقية تقدم انجازاً مهما كان «يتعربشون» بها لمواساة أنفسهم، يصر الرئيس الأميركي بل والادارة كلها على تخييب آمال العرب تباعاً.

فقد كان عاجزاً تماماً في أصغر الأمور والمسائل مع إسرائيل نتنياهو، ولم يقدم للفلسطينيين والعرب حتى تجميداً للاستيطان في القدس والضفة، فكيف الحال في ما يتعلق بالقضايا والحقوق الجوهرية الكبرى؟

وبعد أن كان تحدث في خطابه التاريخي في جامعة القاهرة في بداية عهده عن النكبة ومعاناة الشعب الفلسطيني، فالواضح اليوم في الذكرى الثانية والستين للنكبة، انه ليس فقط لم يتجرأ على ذكر النكبة والمعاناة الفلسطينية مرة أخرى، بل ذهب نحو الرواية الصهيونية المزيفة إلى ابعد الحدود المجحفة بمنحه شهادة تاريخية ل«إسرائيل» بأن «فلسطين هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي».

فياللانحياز السافر، فهل قرأ الرئيس اوباما حقاً تاريخ المنطقة وتيقن أن هذه البلاد هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي؟ أم انه ذهب هكذا لينحاز اوتوماتيكياً كأسلافه لصالح تلك الرواية الصهيونية؟

يلحق الرئيس الأميركي في رسالته هذه إجحافاً جديداً إلى سلسلة لا حصر لها من الاجحافات الأميركية ضد الشعب الفلسطيني وضد العرب الأصدقاء قبل الأعداء، وأكثر من ذلك أيضاً.

فقد تحدث اوباما عن استراتيجية ومتانة العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وعلى التزام بلاده بأمنها، مؤكداً أن إسرائيل ستظل حليفاً استراتيجياً مركزياً للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وأنه على ثقة بأن العلاقات الخاصة مع إسرائيل سوف تستمر وتتعزز في الشهور والسنوات القادمة.

كنا نتحدث عن الرئيس السابق بوش وعن انه يتبنى الأجندة الإسرائيلية السياسية والتوراتية بالكامل، بل انه ألقى في آخر أيامه وفي الذكرى الستين أيضاً للنكبة الفلسطينية وقيام إسرائيل، وفي قلب القدس خطاباً توراتياً منح فيه إسرائيل اعترافاً بحقائق الأمر الواقع الاستيطاني وبالقدس عاصمة لها إلى الأبد وغير ذلك.

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com