أحيانا قد يخطئ البعض في تقدير الأمور فيلجأون ـ حسب ظنهم ـ إلى أهون الضررين، ولكنهم يتفاجأون بأن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن، وسوء تقديرهم للأمور ناتج إما عن عدم تقدير الموقف الأول وفق معطياته وبالتالي يكون التصرف مبنيا على تصورات خاطئة تفضي إلى نتائج غير محمودة، أو أن اتخاذ القرار كان متوافقا مع العقل والمنطق وكل الشرائع وإذ بالأمور تنقلب رأسا على عقب ليتحول الصواب إلى خطأ، ومثل هذا يحدث في حياتنا بإرادتنا أو رغما عنا.

ولعل الخبر الذي نشرته جريدة الإمارات اليوم منذ أيام قليلة وعلى صفحتها الأولى تحت عنوان سطو في وضح النهار، يجعلنا نعيد حساباتنا مرة أخرى في عدد من القضايا المهمة.

فعلى مرأى من الناس وفي وضح النهار أقدم سارق على تهديد سيدتين بالسكين وذلك حين استوى على المقعد الخلفي للسيارة وطوق بالسكين عنق السيدة التي تجلس بجانب السائقة ـ وهما أختان ـ مهدداً إياهما بالقتل إن لم يمتثلا لأوامره، فما كان من الأخت التي كانت على مقعد السائق إلا أن خرجت مهرولة إلى الشارع تصرخ وتستنجد.

وهذا أمر طبيعي في مثل هذا الموقف وهو تصرف مبني على ما يقبله العقل، ولكن الذي ما لا يقبله عقل ولا عُرف ولا أي ديانة كانت هو ذلك الموقف المتحجر الذي صادفته المرأة المستجيرة من الرجل فقد صُعقت بردة فعله حيث لم يحرك ساكنا ولم يأبه لما حدث ولسان الحال يقول «أسمعت إذ ناديت حيا».

فما كان منها بعد أن فقدت الأمل فيه وفي أمثاله إلا أن قررت مواجهة الخطر بنفسها فعادت إلى السيارة مكسورة الجناح وخيبة الموقف تطاردها لتستجيب لمطالب السارق لتنقذ حياة أختها، فاستولى اللص على الجمل بما حمل ولاذ بالفرار على مرأى من ذلك الرجل وغيره ممن حضروا الحادثة بعدما خلف الأختين وراءه في حالة يرثى لها.

إننا على يقين بأن شرطة دبي سوف تلقي القبض على المجرم، فقد أثبتت الشرطة كفاءتها في قضايا غاية في التعقيد لذا فلن تعجز عن القبض على هذا المجرم، كما أن هذا ليس هو محور القضية في هذه الحادثة، ولكن الأمر الجلل هنا هو أن الضحية لم تكن تدري بأنها قد استجارت من الرمضاء بالنار.

فاللص مهما كان انتماؤه أو كانت جنسيته فنواياه معلومة ولا يتوقع منه إلا كل شر لذا سيكون التعامل معه وفق طبعه وما نشأ عليه من انحراف سلوكي، أما المصيبة الأعظم فهي حين يخيب ظنك في الآخرين فترى الأمور تسير عكس التيار وتشهد انقلابا في القيم والمبادئ.

أي نوع من البشر هذا الذي استجارت به المرأة المسكينة؟ مهما كانت جنسيته أو ديانته أو حتى ثقافته، ومهما انعدمت القيم وتلاشت المبادئ وتحجرت المشاعر لديه إلا أنه يبقى هناك جانب من الإنسانية لدى البشر كافة يوجههم إلى فعل الخير.

إن أقل ما كان يمكن أن يفعله ذلك المستجار به أن يتصل بالشرطة على مرأى من السارق؛ حتى يثير الرعب في قلبه، فيلوذ بالفرار، ولكن الذي حصل كان مخيباً جداً، ومخالفا لكل القيم والأعراف والمبادئ الإنسانية، فقد تركها تواجه مصيرها بنفسها وكأنه مشهد تصوير في أحد أفلام هوليوود.

لقد كان قدرها أن تصطدم بواقع أقل ما يقال فيه إنه مخز وجبان، استجارت بصنم بشري لم تتحرك فيه أدنى معاني الإنسانية والنخوة، ولو أنها كانت تدري بأنها ستلاقي هذا الصنف من البشر لما تكبدت مشقة الصراخ والاستنجاد، ولرضيت بالواقع المر وامتثلت من البداية لمطالب المجرم، فالرمضاء أهون عليها من النار.

إن الموقف البطولي الذي أقدمت عليه هذه المرأة حين قررت العودة لتخليص أختها من براثن ذلك المجرم ليحسب لها بكل فخر، ويسجل لها في صفحات حياتها.

إن هذه الحادثة تلقي بظلالها على قضايا عدة، أولها وقوع سرقة في وضح النهار وفي مكان عام دون مبالاة لقوانين البلد ولا احترام للإنسانية، وهذا أمر لم نعهده في بلادنا، والأمر الآخر تحول بعض النماذج البشرية إلى أصنام بشرية تبلدت فيها معاني الإنسانية فأصبح رحيلها خيرا من تواجدها بين ظهرانينا.

إن هذه الحادثة تستلزم منا إعادة النظر في العينات التي تدخل بلادنا تحت أي مسمى كان، ولا يشفع لها انتماؤها لبلدها مهما كان هذا البلد فلا أحد يعلو على القانون، كما أن الثقافة والتربية لا تقاس بالانتماء إلى بلد ما وإنما بما تشربه الإنسان من عادات وسلوكيات مختلفة وما تربى عليه من قيم وأخلاق في مجتمعه، فكل إناء بما فيه ينضح.

إن هناك قواسم مشتركة بين البشرية لا تحتاج إلى أن يتعلمها المرء في المدارس والجامعات، فالنفس البشرية قد جبلت على فعل الخير، ثم إننا لم نطالب ذلك الرجل، المستنجد به.

بأن ينقض على المجرم بكلتا يديه، ولا أن يدخل معه في جولات وصولات، إنما كان أضعف الإيمان أن يعير اهتمامه لهذه الحادثة فيتصرف بناء على ما يمليه عليه ضميره ولكن شيئا من هذا لم يحدث.

إن هذه النوعية من البشر سواء السارق أم الصنم البشري لا تستحق موطئ قدم على أراضينا فبلادنا قد عُرفت بحبها للخير، ونجدتها للمظلوم فقد امتدت أياديها للقاصي والداني، وعلا صوت القانون فيها فوق كل صوت، وهي لا تتسع للمجرمين ولا للأصنام البشرية.

من الواجب علينا أن نعيد النظر في القوانين التي سمحت لمثل هؤلاء المجرمين من دخول بلادنا، أعلم أنه لا توضع كلمة مجرم على جواز أحدهم وإلا لما سمح له بالدخول إلى أراضينا، ولكن لا بد من إيجاد ضوابط وقوانين صارمة لردع أمثال هؤلاء ومنعهم من دخول البلاد.

ولا بد أن يكونوا عبرة لكل من تسول لهم أنفسهم باختراق حاجز الأمن والاستقرار في بلادنا، فنحن لم نألف مثل هذه الجرائم من قبل، ولا هذه النماذج البشرية بهذا الشكل غير المسبوق، فلا بد أن تظل بلادنا واحة للأمن والاستقرار، ترحب بكل من يحترمها ويعرف قدرها ولا مكان لمن تسول له نفسه بأن يسعى إلى بذر الشوك فيها، حفظ الله أوطاننا وأسبل عليها نعمه ظاهرة وباطنة.

كاتب إماراتي

saifmahrouqi@yahoo.com