تعرضت القارة الأوروبية العجوز لأسوأ كارثة جوية منذ الحرب العالمية الثانية من القرن الماضي، وسط أجواء من شبح الأزمة المالية العالمية التي مازالت تأثيراته تطغى على اقتصاديات أغلب الدول ومؤسساتها، ومن بينها شركات الطيران التي كانت تحاول الهروب من شبح الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك.
والتي أدت إلى تشديد الإجراءات الأمنية التي فرضتها سلطات الدول تحسبا لأية محاولات إرهابية أو انتحارية في المطارات الغربية منذ حلول الألفية الثالثة، ولكن ما لم يكن في الحسبان هو إرهاب الطبيعة الذي برز بغضب الأرض وانفجار بركان أيسلندا الجليدي.
وتكون سحابة من دخان وحمم البركان تحمل الصخور والأتربة البركانية الخطيرة التي تؤثر على المجال الجوي وعلى محركات الطائرات مما يتسبب بكارثة إنسانية وبيئية كبيرة البشرية في غنى عنها.
عندما كنت في رحلة العلاج الأخيرة إلى لندن كان من المفترض أن أعود للدولة بتاريخ 20 من أبريل ولكن لا أعلم ما الذي جعلني انهي إجراءات علاجي وأعود في العاشر من أبريل، وعند صبيحة الخامس عشر تفاجأت بخبر انفجار البركان وانتشار السحب البركانية على بريطانيا ووقف الرحلات الجوية إلى وقت غير معلوم، لقد انتابني آنذاك إحساس بأن الإنسان مسير وليس مخيرا لأنني لا أعرف سببا دفعني للعودة قبل موعدي بعشرة أيام.
تاريخ البشرية يشير إلى أن العالم يتعرض بين فتره وأخرى إلى أزمات وكوارث تعصف بالأرض سواء من الطبيعة أو من صنع البشر، وقد تشهد دمار للبشر والحجر والشجر وتبقى مع الأيام تتداولها الألسن، وتنتقل من جيل إلى جيل، ولكن المتتبع لأزمات القرن العشرين والواحد والعشرين يجدها متلاحقة وسريعة واختلطت بين البشرية والطبيعية.
ورغم تسلح الإنسان بكل ما يمكن للتصدي، إلا أن غضب الطبيعة لا وسيلة حتى الآن للتصدي له، وهو أقوى من الإرهاب والحروب، ولا يستطيع الإنسان أن يشن هجوما على الطبيعة ولو حاول فإنه بالقطع لن ينتصر، لأن الطبيعة أكبر بكثير من الإنسان ومن كل علومه واختراعاته.
عندما حملت الغيوم ما علق بها من رماد وأتربة بركانية استطاعت أن تشل ربع حركة الطيران من استراليا إلى أميركا، ووقع في أكثر من 300 مطار حول العالم فوضى وارتباك، وزادت أعداد المسافرين العالقين في المطارات وأغلقت حكومات الدول الغربية مجالاتها الجوية، ربما كان البركان وما أرسلته الرياح من بقايا ثورته ألقى الرعب في قلوب الملايين.
وعادت الذاكرة إلى آخر مره ثار فيها بهذه القوة والدرجة في عام 1784، واستمرت تأثيراته على مدى أكثر من عام، حيث دمر المحاصيل وأفسد الأراضي الزراعية ومات الآلاف من حمم البركان ومن الجوع، ولكن علماء الطبيعة والجيولوجيا في الوقت الحالي يشيرون إلى أن فوائد هذه الحمم قد تكون اكبر من مضارها.
وبما أن العالم أصبح قرية صغيرة ويصل ما يصيب الغرب بسرعة البرق إلى الشرق فإن وسائل الإعلام الفضائية والشبكة العنكبوتية وتسابق النشرات الإخبارية على التقاط كل تصريح أو همسات أو مشاهد لركاب يعانون من أوضاع إنسانيه أو يفترشون الأرض أو يبحثون عن طرق أخرى يحاولون من خلالها الهروب إلى مكان يبعدهم عن القارة العجوز سواء طرق برية، وأسرعها القطار، أو بحرية في العبارات التي كادت أن تشهر إفلاسها بسبب ازدياد حركة الطيران بين قارات العالم.
فأصبحت هذه المواد مادة دسمة للمراسلين والكتاب والمراسلين يسدون بها نشراتهم أو صحفهم وقد تزيد من حدة الأزمة ويصبح المسؤولون في حيرة من أمرهم، كيف يتعاملون مع الأحداث، حتى ولو كانت أياما معدودة.
ولا يخفى على أحد أنها سوف تكون أكثر القصص التي سوف تستغلها شركات الإنتاج السينمائي وتصنع من ورائها أفلاما وروايات تحصد من ورائها ملايين الدولارات.
وكما يقال في الأمثال (موتاً لك وفرجاً لي) و(رب ضارة نافعة) و( مصائب قوم عند قوم فوائد) وغيرها من المقولات التي تنطبق على الأحداث، وتنطبق على ما شهدته شركات الطيران من ارتباك ونفقات وخسائر، بينما انتعشت جهات ووسائل نقل أخرى برية وبحرية كانت تعاني من ركود، وسوف يزداد الوضع سوءا على سوء في ظل تناقل الشائعات.
وربما بروز غيوم رمادية أخرى بين فترة وأخرى، ليصبح بركان أيسلندا كالقشة التي قسمت ظهر شركات الطيران التي كانت تصرخ منذ فترة من خسائرها وعدم تلقي الدعم الحكومي، الأمر الذي يتوقع معه أن نسمع عن إفلاس شركات طيران جديدة وعرضها للبيع أو هبوط أسعار أسهمها.
ولا يفوتنا هنا الإشادة بشركة «طيران الإمارات» وشقيقتها الوطنية «الاتحاد» واللتين أصبحتا مضربا للمثل في الالتزام وإيجاد أنسب الحلول وتقديم أفضل الخدمات للركاب في هذه الأزمة.
وذلك رغم تحملهما خسائر مادية، ومثل هذه المواقف تجدد ثقة شعب الإمارات في ناقلاته الجوية الوطنية وقدراتها وإمكانياتها الكبيرة.
كاتبة إماراتية