إن من غرائب الأمور التي تجري في دولتنا الغالية هو عدم التوازن بين ما يعرض من وظائف وبين فرصة المواطنين في الحصول على مثل تلك الوظائف، حيث إنه مع تزايد فرص العمل لاسيما في القطاع الخاص إلا أننا نلحظ أن نصيب المواطن من تلك الفرص هو ضئيل للغاية بحيث أصبحت المعادلة غريبة في دولة الإمارات؟

حيث إن المواطن أصبح ينافس الأجنبي على الوظيفة بدلاً من أن يكون الأجنبي هو الذي يسعى لمنافسة المواطن في سوق العمل؛ وهذه بالطبع ظاهرة غير صحية.

صحيح أن الإمارات دولة عدد سكانها قليل وبالتالي فإن حاجتها للعمالة تطلبت منها أن تستورد العدد الكبير منها من الخارج، إلا أنه عندما نقول ان مساهمة المواطنين في إجمالي القوى العاملة بالدولة لا تزيد على 9% فإن ذلك مؤشر واضح على وجود وضع غير سليم في الدولة. فكيف يعقل أن هناك دولة ما تستطيع أن توجد الفرص للأجانب وفي الوقت نفسه غير قادرة على إيجاد فرص لمواطنيها؟!

إنه بحق سؤال مُحير ومثير للاستغراب، ولكن الواضح هو أن السبب في ذلك يعود بالدرجة الأولى لفقدان المسؤولية المجتمعية لدى مؤسسات وشركات القطاع الخاص التي لا تتوانى عن البحث عن الأجنبي ولو كان أكثر كلفة عن المواطن رغبة في إبعاد المواطن عن العمل لديها وبالتالي عدم إيجاد فرص لحصول المواطن على وظائف في القطاع الخاص.

فالإحساس بالمسؤولية نحو مجتمع الإمارات مفقود في القطاع الخاص الذي تشكل العمالة الوافدة جل حجم العمالة العاملة فيه وهذا في حد ذاته ظاهرة غير صحية ولا يمكن أن يبقى الحال على ما هو عليه.

فبالرغم من وجود قانون لتوظيف نسب معينة من المواطنين في بعض المجالات في القطاع الخاص إلا أن العديد وللأسف الشديد غير ملتزم بها أو يسعى للتحايل عليها في سبيل إبعاد الشبهة عنه.

نحن بحاجة إلى ثقافة المسؤولية المجتمعية لدى كل مؤسسات وشركات القطاع الخاص بالذات، ثقافة تكون مسؤولة عن دفع التزام القطاع الخاص بضرورة المساهمة الفعلية في تنمية الدولة من خلال تنمية قدراتها البشرية بشكل يضمن لها الديمومة.

القانون ضروري لفرض التزام القطاع الخاص ولكن قد لا يكون القانون كافياً وبالتالي فنحن بحاجة إلى إيجاد ثقافة في هذا المجال، وهنا يأتي دور الدولة الاتحادية باعتبارها المسؤولة في هذا المجال والطرف الذي يقع على عاتقه مهمة وضع برامج من شأنها مكافئة من لديه التزام بالمسؤولية المجتمعية ومعاقبة من لا يحمل التزاماً بالمسؤولية تجاه مجتمع الإمارات.

لقد قدمت هذه الدولة ومازالت تقدم الكثير لمؤسسات القطاع الخاص كي تعمل بشكل سلس وراق وتحقق الأرباح المرجوة، والكثير من تلك المؤسسات استطاعت أن تجني أرباحاً هائلة من وراء خيرات هذا البلد إلا أن عطاءها لهذا البلد محدود وللأسف الشديد فهي لا توظف إلا الأجانب وإن وظفت المواطنين فإنهم يكونون في وظائف هامشية ولا تمنحهم الوظائف الرئيسية المرتبطة في مجال المعرفة العلمية والتقنية في مجالات الأعمال المختلفة.

كما أن القطاع الخاص يستنزف الدخل المحلي نتيجة لتحويلات العاملين في مثل هذا القطاع لعوائدهم المالية إلى الخارج وعدم استثمارها في الدولة.

القطاع الخاص هو جزء من اقتصاد الدولة الذي يجب أن يكون مكملاً رئيسياً لاقتصاد البلاد ورافداً أساسياً من روافد تحقيق التنمية في دولة الإمارات وليس عائقاً في مسيرة مثل هذه التنمية التي يجب أن يكون المواطن في صلب توجهها. اليوم هذا القطاع لا يؤدي مثل هذا الدور بل هو بعيد عن الاستثمار في رأس المال البشري الإماراتي، الأمر الذي يفرض حاجة ضرورية لجعل مثل هذا القطاع يغير من طبيعة مساهمته في التنمية.

المسؤولية المجتمعية أصبحت واحدة من الأسس التي بدأت العديد من الدول في العالم السعي لتثبيتها في مجال القطاع الخاص وباتت الكثير من الدول في العالم تتجه إلى وضع معايير علمية لها يتم متابعتها وقياسها بطريقة علمية.

ولعلنا نحن في دولة الإمارات بحاجة لوضع مثل هذه المعايير في مجال المسؤولية المجتمعية لدى القطاع الخاص ليكون هذا القطاع طرفاً مساهماً في التنمية وبالتالي المساهمة في التغيير التدريجي في ثقافة مؤسسات العمل المختلفة في القطاع الخاص نحو المواطن ومجتمع الإمارات.

فالمسؤولية المجتمعية ليست مقصورة على القطاع العام وحسب وإنما لا بد على القطاع الخاص أن يكون جزءاً منها لاسيما في بلد يعتبر القطاع الخاص فيها قطاعاً ذو حجم كبير.

فالخطوة الأولى لا بد أن تأتي من المؤسسة الحكومية من خلال وضع معايير للمسؤولية المجتمعية يتم قياسها على القطاع الخاص وتتم عملية مكافأة من يلتزم بها ومعاقبة من لا يلتزم.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com