تتمتع دولة الإمارات بمستوى نمو اقتصادي عال بل يعد الأعلى على مستوى دول الشرق الأوسط. علاوة على ذلك فهي تتمتع باقتصاد قوي وحيوي قائم على استثمارات متنوعة في الداخل والخارج. في الوقت نفسه تعد دولة الإمارات دولة جاذبة للكثير من الاستثمارات الأجنبية التي تجد في الدولة بيئة مغرية وجاذبة للأعمال.

هذه البيئة المحفزة الواعدة جعلت من الإمارات وفي فترة قياسية مصدر جذب للأيدي العاملة الخارجية وتلك الباحثة عن فرصة عمل أو استثمار في الداخل. فلا غرو أن تصبح دولة الإمارات أحد أهم القوى الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط ويصبح اقتصادها عاملا مؤثرا في اقتصاديات العالم.

في الداخل تستثمر دولة الإمارات في مشاريع البنية التحتية وفي الصناعة وفي مشاريع ربحية كبيرة توفر للدولة دخلا متناميا كل عام. علاوة على ذلك فان للدولة استثمارات خارجية تعد بالمليارات من خلال صناديق سيادية تعد الأكبر عالميا. وبالطبع فان الهدف من كل تلك الاستثمارات الداخلية و الخارجية هو ضمان مستقبل الدولة ومواطنيها والأهم ضمان مستقبل الأجيال القادمة..

ولكن على الرغم من كل ما تتمتع به الإمارات من ثراء وتوافر فرص عمل للوافدين على أرضها حيث فرص العمل الكبيرة المتوفرة، إلا أنها أيضا تعاني من بعض القضايا الملحة يأتي على رأسها التوطين وبطالة المواطنين. فمنذ سنوات عديدة وتلك القضايا وقضايا أخرى مرتبطة بها، تظهر وتطفو إلى السطح.

وعلى الرغم من كل الحلول المقترحة إلا أنه يبدو أن حل تلك القضايا ربما يتطلب الكثير من التفكير والتخطيط ورسم الاستراتيجيات والتي يبدو أنها لم تقنع حتى الآن الباحثين عن عمل بجدية كل ذلك التخطيط.

وظل الحال على ما هو عليه وظلت تلك القضايا تراوح مكانها على الرغم من أن عدد المواطنين اليوم لا يزال لم يتعد المليون فكيف سيكون عليه الحال في العام 2021 عندما يصل عدد سكان الإمارات البالغ حاليا حوالي ستة ملايين، إلى ضعف ما هو عليه اليوم؟

وعلى ما يبدو فان القطاع العام، حسب تصريحات بعض المسؤولين قد تشبع وفرص العمل فيه باتت أقل إغراء من العمل في بعض القطاعات شبه الحكومية الواعدة كقطاع المال والأعمال وقطاع التقنيات.

وعلى الرغم من كل الحلول التي قدمت لتوفير فرص العمل وتحفيز بيئة الأعمال وتشجيع المبادرات الفردية إلا أنها وقفت عاجزة عن إيجاد مزيد من فرص العمل لطوابير المواطنين العاطلين وأصبح التوطين والبطالة من الأمور التي تقض مضجع كل مواطن لا يزال على مقاعد الدراسة أو مقبل للتو على العمل.

في الوقت نفسه تعمد دولة الإمارات إلى تنويع اقتصادها والاستثمار في الخارج عن طريق صناديق سيادية تعد الأضخم في العالم. ولذا تملك الدولة الآن استثمارات تعد بالمليارات في دول عربية وأجنبية عديدة. هذه الاستثمارات ضمانة أكيدة للمستقبل لأن هذه الثروة ليست ملكا لجيلنا فقط بل هي ملك للأجيال القادمة التي من حقها علينا أن نعمل منذ الآن لضمان حقوقها.

ولذا فعلينا أن ندرس منذ الآن فكرة إنشاء صندوق يحمل اسم «صندوق الأجيال» كما هو معمول به في دول خليجية أخرى كالكويت مثلا، حيث يعد إنشاء مثل هذه الصندوق خطوة مهمة لحماية الأجيال القادمة وتعزيز ثقتها في مستقبلها. وإنشاء مثل هذا الصندوق سوف يكون له عدة مزايا أولها هو ضخ بعض الاستثمارات الخارجية إلى ذلك الصندوق واستثماره في الداخل عوضا عن الخارج. وثانيها أن ذلك الاستثمار سوف يخلق فرص عمل جديدة للمواطنين.

ثالثا أن يكون من ضمن أهداف الصندوق تأهيل الجيل الحالي وجيل المستقبل عن طريق تدريب وتأهيل الكوادر البشرية. وبما أن الصندوق مخصص أصلا للأجيال القادمة فان أفضل استثماراته بالتأكيد سوف تكون في مجالات التعليم والصحة والتقنيات لأنها السبيل إلى خلق جيل جديد مؤهل وصحي وقادر على التعامل مع متغيرات العصر ومعطياته.

إن إنشاء مثل هذا الصندوق سوف يكون ضمانة أكيدة لمستقبل الأجيال القادمة خاصة إذا ما اعتمد أسلوب التنويع الأمن. ويمكن تنويع استثماراته عن طريق تحويل بعض العوائد المحلية إليه سواء بعض الرسوم المفروضة داخليا أو الرسوم المستقبلية على بعض الدخول. بهذا نكون قد أمنا الجيل القادم بصندوق سيادي يحميهم من تقلبات الزمان وتغيراته، ويكون ضمانة أكيدة بمستقبل أفضل للجيل القادم والأجيال التي تأتي من بعده.

لقد أثبتت تقلبات الأيام والأزمات الاقتصادية التي مررنا بها أن تنويع مصادر الدخل والاستثمار الداخلي هو أضمن وأأمن بل وأكثر مردودا من الاستثمارات الخارجية وفي الوقت ذاته يضمن خلق فرص عمل جديدة في الداخل يستفيد منها شباب اليوم وجيل الغد. وبالتالي فان إنشاء «صندوق الأجيال» سوف يشيع جوا من الاطمئنان والأمان في المجتمع ككل.

حيث سيطمئن المواطن على مستقبله ومستقبل أولاده. إن تطبيق الاستراتيجيات الاقتصادية والرؤى المستقبلية لن يتأتى إلا بضمان حقوق الجميع: الآباء والأبناء والأحفاد.

وما لم نأخذ في الاعتبار حفظ حقوق كل كافة الفئات فلن ننجح في حفظ حق المجتمع علينا بإنشاء جيل مؤهل وصحي مطمئن على مستقبله ويرنو للعيش في مجتمعه في أمن ورخاء.

جامعة الإمارات

fatimaalsaayegh@hotmail.com