بغض النظر عن الجدل السياسي المحتدم على الساحة المصرية منذ فترة، فإنني أعتقد أن ما حدث في منتصف هذا الشهر في شرم الشيخ بإعلان فشل المفاوضات بين دول حوض النيل، ودخول قضية مياه النيل منعطفاً خطيراً سوف يكون لها أثرها الحاسم على تطور الأحداث في مصر في الفترة القادمة.
وسوف تكون تطوراتها لحد كبير، عاملاً أساسياً في تحديد السياسات الخارجية والداخلية لمصر، وربما في حسم الجدل حول الشخصية المؤهلة لخلافة الرئيس مبارك في قيادة مصر وسط كل هذه التحديات التي اكتملت بهذا التحدي المتعلق بمياه النيل والذي يمثل لمصر قضية حياة أو موت.
يتملك الإنسان الأسى حين يتذكر أياماً كان فيها معظم رؤساء إفريقيا عقب الاستقلال من الذين قادوا حركات تحرير بلادهم من القاهرة أو بدعمها. وكيف كانت مصر هي الشقيق الأكبر لهذه الدول بعد استقلالها، تقدم ـ من القليل الذي تملكه ـ ما يساعد هذه الدول التي كانت تبدأ من الصفر والتي تركها الاستعمار بدون كوادر بشرية أو بنية أساسية أو مؤسسات قادرة على إدارة الدولة.
انتهت تلك المرحلة، وجاءت مرحلة أخرى، ضاعت فيها الطرق وتبدلت السياسات، وتراجع اهتمام مصر ببعدها الإفريقي، وتركت الساحة للقوى الخارجية ـ بمن فيها إسرائيل ـ تلعب حتى في حوض النيل.
وبدلاً من إقامة شراكة كاملة بين دول حوض النيل لخير الجميع، ها نحن أمام أزمة حقيقية تتفق فيها دول المنبع السبع على إعادة النظر في حصص المياه بما يعني الانتقاص من كميات المياه التي تصل لمصر التي تعتمد على النيل في توفير أكثر من 95 % من احتياجاتها، وكذلك السودان التي تعتمد على مياه النيل في توفير ما يقارب نصف احتياجاتها.
الأزمة خطيرة، ولكنها لم تصل بعد لطريق مسدود. فما يجري في النيل لا يمثل إلا نسبة صغيرة للغاية من مياه الأمطار التي تسقط على دول المنبع، والتي يمكن لو تم التعامل معها بالعناية الواجبة وأقيمت لها المشروعات المطلوبة، أن توفر لدول حوض النيل جميعاً كل احتياجاتها الحالية والمستقبلية من المياه. ولكن هذا ينبغي أن يتم ضمن رؤية متكاملة لشراكة اقتصادية حقيقية بين دول حوض النيل، وبدعم عربي مطلوب استراتيجياً ومربح سياسياً واقتصادياً.
طبعاً الحجج القانونية موجودة والاتفاقيات الدولية موجودة، لكن التعاون المشترك الذي يضمن مصالح الجميع هو الحل الذي لابد منه مهما كانت الصعاب أمامه، ومعها كانت التحريض الذي تمارسه القوى الأجنبية.
وفي مقدمتها إسرائيل التي تسعى لتحقيق عدة أهداف منها انكفاء مصر على هذه القضية التي تهدد أمنها واستقرارها وذلك على حساب اهتمامها بالبعد العربي، ثم هناك الهدف الأساسي الذي تسعى إليه إسرائيل منذ سنوات طويلة وهو الحصول على نصيب من مياه النيل. منذ السبعينات وإسرائيل تعد مشروعاتها لذلك.
وفي نهاية السبعينات وقبل رحيله بقليل فاجأ السادات الجميع بالتلميح في مجلة «أكتوبر» عن استعداده لمد مياه النيل إلى القدس.
وقد تراجع السادات بعد معارضة وطنية كاسحة، ولكن إسرائيل لم تتراجع عن المضي في مخططاتها مع تزايد التوقع بأزمة مائية حادة تجتاح المنطقة في السنوات القادمة.
والغريب أن البعض (مثل الأستاذ داود الشريان في الحياة 21 أبريل الحالي) يرى أن «الحل الأمثل أمام مصر هو الشروع فوراً في مفاوضات مع إسرائيل لتزويدها بالماء «مضيفا أنه» إذا كانت إسرائيل ستحصل على خراج مياه النيل في إفريقيا وعلى حساب أمن مصر المائي فلماذا لا تتولى مصر زمام المبادرة.. وتعطي إسرائيل فائض المياه».
وبغض النظر عن أنه لا يوجد فائض مياه، بل نقص مائي سيزداد مع زيادة السكان ومع وصول مصر منذ الآن إلى أقل من المستوى العالمي للفقر المائي. وبغض النظر عن أنه لو كان هناك فائض فدول حوض النيل كلها أولى به وليس إسرائيل.
وبغض النظر عن أن هذا ليس من حق مصر، ولو كان من حقها وامتلكت فائضاً فأهل غزة مثلاً أولى به، بغض النظر عن كل ذلك، وحتى لو كان هناك اتفاق بين إسرائيل ودول المنبع، فإن ذلك لن يحل المشكلة بل سيفتح نار جهنم على الجميع.
وسيعطي الحق لكل من يستطيع الابتزاز أن يفعل ذلك، وسيقودنا إلى نقطة أخطر تطالب فيها دول المنبع بإهدار كل الحقوق وتمزيق كل الاتفاقات بدعوى إنه مادامت إسرائيل ستشتري المياه وتدفع..
فلماذا لا يتم ذلك مع دولتي المصب إذا بقيتا دولتين، أو إذا تحولت إلى ثلاث مع تقسيم السودان ثم إلى أربع بعد الأخذ باقتراح دفع «خراج المياه» لإسرائيل، ثم إذا نجح الابتزاز وقبضت إسرائيل «خراج المياه» من مصر، أليست الخطوة التالية هي الاستعداد لأداء «خراج البترول» و«خراج الغاز»، مع الدعاء لشيمون بيريز بطول البقاء، ولمشروعه عن الشرق الأوسط الذي تقوده إسرائيل، بدوام التوفيق والانتقال من نجاح إلى نجاح، أو قل من «خراج» إلى «خراج».
كاتب صحافي مصري
