ليس من مسوّغ سياسي أو أخلاقي يدعو العرب إلى تجاهل التدهور الكبير الذي يحيق بالعلاقات الإثيوبية الاريترية المرشحة لحرب جديدة ستكون أكثر فداحة وسعة من سابقتها، فقد جاءت آخر الأخبار من العاصمة الاريترية «أسمرة».

ومفادها أن اريتريا طلبت مغادرة موظفي الأمم المتحدة بعد أن تيقّنت بأن مجلس الأمن ليس في وارد إلزام اثيوبيا بتنفيذ ما تم الوصول إليه في التحكيم الدولي الخاص بمثلث «بادمي» الذي كان سبباً في حرب البلدين، وفي الوقت ذاته يزداد الموقف الدولي والإقليمي غموضاً إزاء حرب قادمة لا محالة.

وذلك بحسب المؤشرات والاستعدادات القائمة على قدم وساق في خطوط التماس بين البلدين الجارين النابعين من ذات الثقافة الاثنية والدينية والتاريخية.

بدأت المشكلة منذ سنوات، وكان الخلاف على مثلث «بادمي» الذي ادّعى كل من البلدين انه جزء منه، وكان الخيار التحكيم الدولي الذي جاء لمصلحة اريتريا، واستتباعاً لذلك باشرت الدبلوماسية الإثيوبية التفافاً ذكياً على نتيجة التحكيم من خلال سلسلة من الاتصالات مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، مستفيدة من العزلة النسبية التي تعيشها اريتريا إزاء منظومة البلدان المتناسقة مع الرؤية الأميركية في الإصلاحات الداخلية والسياسية.

فقد كانت اريتريا رافضة دوماً للتخلّي عن سياسات الحماية الاجتماعية لمواطنيها، وفتح السوق على مصراعيه لروشتات المؤسسات المالية والاستثمارية الدولية، وهو الأمر الذي يبعد أسمرة عن الفلك الأميركي، بهذا المعنى على وجه التحديد.

باشرت إثيوبيا، كما قلنا، تحركاً دبلوماسياً متعدد الوجوه بهدف تعطيل قرارات التحكيم الدولي الذي اعتبر مثلث «بادمي» جزءاً من اريتريا، ولم تعدم «اديس ابابا»الحيلة والفتيلة للمناورة في الجوانب القانونية والتاريخية، فيما استفادت من ميزاتها النسبية في علاقات الجوار والعمق الديمغرافي والرضا الأميركي الأوروبي على نطاق واسع .

أمام هذه الحقائق أصبحت قرارات المحكمة الدولية معلقة في فضاء النية الحسنة التي تبديها إثيوبيا، والمفارقة، أن اريتريا التي دخلت قبل سنوات في خصومة حدودية مع اليمن وانصاعت بحكمة لقرارات التحكيم الدولي حول جزر «حنيش»، والتي تمكنت تالياً من الحفاظ على حسن العلاقات التاريخية ووشائج الصلة الإقليمية مع اليمن.

اريتريا التي فعلت ذلك باقتدار، سرعان ما أصيبت بخيبة أمل بالغ عندما واجهت رفضا إثيوبيا لنتائج التحكيم الدولي حول «بادمي»، كما لو أن «الصغار» محكوم عليهم دوما بالانصياع والتخلي عن منطق المجابهة بالحق القانوني.

هذه الحقيقة وضعت اريتريا أمام خيار صعب مداه الذهاب مباشرة إلى خرائب «بادمي» التي لا تستحق كل هذا العناء من دولتين تربطهما وشائج التاريخ والجغرافيا والمصير .

الآن، وفي هذه اللحظات يتهيأ فرقاء الأرض للنزال الصعب، فقد أوردت الأنباء أن الاستنفار العسكري على خطوط «الحدود العائمة» وصل إلى ذروته، فيما قطعت اريتريا كل خيط يصل الموضوع بقابلية للتفاهم، وبهذا سقطت اتفاقية الجزائر بين البلدين.

أمام وضع من هذا النوع، ليس للعرب أن يديروا الظهر وأن يتفرجوا على ما يحدث في إثيوبيا واريتريا اللتين تشكلان عمقا استراتيجيا مع الإقليم العربي بالمعاني الجغرافية والتاريخية والاقتصادية والمستقبلية، فالأجدر بالنظام العربي الأكثر قربا والتصاقا بالدولتين أن يباشر عملا جادا ووساطة مسؤولة، قبل أن تقع الواقعة، ويدفع الجميع ثمنها.

وفي هذا الباب يمكن لليمن وجيبوتي والسودان أن تلعب دوراً منسقاً وإيجابياً لخدمة الأقربين جغرافياً ودينياً وتاريخياً، بدلاً من البقاء على عتبة الفرجة الكسولة للنيران الصادرة من الضفة القريبة منهم.

كاتب يمني

Omarabdulaziz105@hotmail.com