سجلت وسائل الإعلام الأوروبية باستغراب إحجام غالبية زعماء العالم عن المشاركة في تشييع الرئيس البولندي ليخ كاتشينسكي، الذي لقي مصرعه في كارثة جوية في روسيا منذ أيام، هذا على الرغم من أن بولندا ليست بالدولة الصغيرة لدرجة التعامل معها باستهانة، خاصة في ظرف مثل هذا يستوجب فيه البروتوكول المشاركة.

وقد حضر مراسم تشييع جنازة كاتشينسكي رؤساء: روسيا وألمانيا وتشيكيا وليتوانيا وجورجيا وأوكرانيا، ولم يحضرها الرئيس الأميركي أوباما والمستشارة الألمانية ميركل والرئيس الفرنسي ساركوزي ورئيس الوزراء الإيطالي برلوسكوني، والكثير غيرهم.

وقيل في رواية رسمية إن سحابة ضخمة من الرماد نجمت عن بركان في آيسلندا حالت دون وصول ما يزيد على 30 وفداً رسمياً إلى بولندا، ولكن هذه الحجة لم تقبلها الأوساط البولندية، حيث إن هناك طرقا كثيرة للوصول لبولندا جواً مع تفادي المرور في مجال السحابة الرمادية، أو حتى الاقتراب منها من بعيد.

وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الروسي ديمتري ميدفيدف الذي شهدت بلاده مع بولندا توتراً ملحوظاً في العلاقات ومشاكل كثيرة على مدى العقدين الماضيين، وزادت حدتها مؤخراً مع نية واشنطن نشر أجزاء من درعها الصاروخية على الأراضي البولندية، قد وصل إلى بولندا على متن الطائرة، في حين سار غالبية السياسيين الأوروبيين الذين وصلوا للمشاركة في تشييع جنازة كاتشينسكي عن طريق الطرق البرية، فالوصول إلى بولندا في ظل ظروف السحابة الرمادية المنبعثة من بركان أيسلندا ليس بالأمر الصعب .

كما يتصوره البعض، ويصعب قبول عذر عدم الحضور بسبب هذه السحابة، بدليل أن بعض الدول الأوروبية استأنفت رحلات طيرانها في يوم تشييع الجنازة.

وقد ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية أن الرئيس الأميركي باراك أوباما ذهب إلى ملعب الغولف بدلاً من السفر إلى بولندا، وقالت إن الرئيس الأسبق جورج بوش الأب استاء كثيراً من هذا التصرف، واعتبر أن أوباما قام بخطوة في الاتجاه غير الصائب.

وفي وارسو كانت الصدمة أكبر لدى الجهات الرسمية، التي لم تتوقع هذا التصرف من الرئيس أوباما وغيره من القادة الأوروبيين، واستنكر بعض القادة الأوروبيين الذين حضروا الجنازة موقف القادة الذين لم يحضروا، واعتبر الرئيس التشيكي فاتشسلاف كلاوس عدم حضور رؤساء الدول الأوروبية وموفدي المفوضية الأوروبية إلى مدينة كراكوف البولندية للمشاركة في تشييع كاتشينسكي بمثابة المؤشر على «أن الكلام في الوحدة الأوروبية كلام فارغ».

وأشارت صحيفة «لا ريبوبليكا» الإيطالية إلى أن الرئيس الروسي ميدفيديف جاء ليقدم واجب العزاء في وفاة نظيره البولندي الذي تسبب جزئياً في التوتر الذي شاب العلاقات البولندية الروسية.

وخرجت صحف بولندية وتشيكية تذكر بقرار أوباما في 17 سبتمبر الماضي بالتراجع عن مشروع نشر عناصر الدرع الصاروخية الأميركية في أراضي تشيكيا وبولندا.

وذلك إرضاء لروسيا، ولم يناقش أوباما رؤساء بولندا وتشيكيا في الأمر قبل اتخاذ القرار، بل اكتفى فقط بالاتصال بهما تليفونياً قبل القرار بساعات، الأمر الذي اعتبره البلدان إهانة كبيرة لهما، في حين رحبت دول أوروبا مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا بالقرار، واعتبرته بادرة طيبة على طريق التغيير السياسي الأميركي.

امتناع كبار قادة الغرب عن حضور جنازة كاتشينسكي مع حرص الرئيس الروسي على حضورها أثار ردود فعل قوية في الشارع البولندي، ووصفتها بعض الصحف بأنها «جنازة للاتحاد الأوروبي».

وظهرت دعوات قوية تطالب بمراجعة مواقف بولندا المعادية لموسكو والمنحازة بلا حدود لواشنطن، خاصة وأن موقف القيادة الروسية والشعب الروسي عند وقوع حادث طائرة الرئيس كاتشنسكي كان إنسانياً للغاية، ولفت نظر الجميع، وخاصة عندما أعلنت روسيا الحداد العام في الدولة.

وكان لهذا أكبر الأثر في نفوس الشعب البولندي، الذي شعر الكثيرون منه بالندم والاستياء من مواقف بلدهم تجاه روسيا والتعامل معها كعدو طيلة العقدين الماضيين، ويتوقع الكثيرون أن يكون لهذا الحادث تداعياته في ما بعد على مواقف السياسة البولندية تجاه كل من واشنطن والاتحاد الأوروبي أيضاً.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru