أياً كان طول المدة التي يتاح لك أن تقضيها في طوكيو، فإن الكثير من الأسئلة تظل معلقة في الأفق، ويتعذر التوصل إلى إجابات عنها، خاصة عندما تتعلق بأمور من قبيل مسيرة الحزب الديمقراطي الحاكم في اليابان، وموقفه من القضايا الاقتصادية الشائكة والعلاقات الخارجية، التي لا تفتقر إلى التشابك والتعقيد.

من المنظور العربي، فإن الوضع في طوكيو يظل بحاجة إلى متابعة دقيقة ومحاولة لإدراك عناصر التحول في المواقف، ويدفع بقوة في هذا الاتجاه أنه بينما يوجد لدى الجانب الياباني العديد من المؤسسات المتخصصة في دراسة كل ما يتعلق بالشرق الأوسط، وخاصة في مجالات الطاقة والتنمية، فإنه لا يوجد في العالم العربي إلا عدد محدود من المؤسسات البحثية المعنية باليابان، في مقدمتها معهد الدراسات الآسيوية التابع لجامعة القاهرة.كل متابع لتطورات الحياة السياسية في اليابان لا يملك إلا التوقف طويلاً عند التغيرات المتوالية في موقف الرأي العام الياباني من رئيس الوزراء الياباني يوكيو هاتايومي، حيث تشير أحدث استطلاعات الرأي إلى تراجع شعبيته من 71% عند توليه مهام منصبه، قبل ستة أشهر، إلى 32% في مارس الماضي، ومن ثم إلى 25% أخيراً.

الأكثر خطورة من ذلك أن 52% ممن جرى استطلاع رأيهم يشيرون إلى أن هاتوياما ينبغي أن يستقيل من منصبه، في 31 مايو المقبل إذا لم يتحقق في ذلك الحين وعده بجعل هذا اليوم موعداً نهائياً لنقل قاعدة فوتينما الجوية الأميركية من جزيرة أوكيناوا اليابانية إلى خارجها، على حين يصر الأميركيون على نقلها إلى موقع أقل ازدحاماً بالسكان، وفقاً لاتفاق أبرم بين الجانبين في عام 2006.

غير أن ذلك لا ينبغي أن يحجب عنا أن هاتايومي لا يزال أمامه مجال للمزيد من التراجع، قبل الحديث جدياً عن تنحيه عن منصبه، فقد تراجعت شعبية سلفه تارو آسو إلى 14% في 2009، وتراجعت شعبية رئيس الوزراء الياباني الأسبق يوزهيرو موري إلى 9%في 2001.

أياً كان الأمر فإن هذه الوضعية تتيح لنا المجال للإطلال على عدد من الملامح المهمة في بانوراما الحياة السياسية اليابانية:

أولا- في مواجهة التراجع الاقتصادي الياباني، تقدم الحزب الديمقراطي الياباني بسلسلة من برامج الرفاه الاجتماعي أقرب إلى تلك المتبعة في غرب أوروبا، لكن ذلك فتح المجال أمام الخبراء للإعراب عن اعتقادهم بأن هذه البرامج ستؤدي حتماً إلى تفاقم نسبة الدين الحكومي، الذي يعادل حالياً مثلي نظيره الأميركي، وهو ما يمكن أن يولد مقاومة عنيفة من البيروقراطية اليابانية القوية، خاصة في ضوء الفضائح المالية التي تورط فيها هاتوياما نفسه والأمين العام للحزب الديمقراطي أتشيرو أوزاوا.

ثانيا- ولد الانفتاح الذي حمله مجيء الحزب الديمقراطي إلى السلطة مناخا أصبح من الممكن معه طرح العديد من القضايا التي كانت مدفونة تحت رماد الصمت، وفي مقدمتها مستوى الفقر في اليابان، حيث كشفت الحكومة النقاب عن أن مستوى الفقر في اليابان (الذي حدد خطه بـ 22 ألف دولار سنوياً كدخل لعائلة مؤلفة من 4 أفراد وهو ما يعادل التقدير المناظر في الولايات المتحدة) قد تضاعف منذ انفجار فقاعة الأسهم والعقارات في اليابان في أوائل التسعينات.

ويشير الباحثون إلى أن حكومات الحزب الليبرالي المتوالية تعمدت حجب الإحصاءات الدالة في هذا الصدد، خاصة وأن 80% من اليابانيين المصنفين تحت خط الفقر لديهم وظائف يشغلونها، لكنها ليست كافية لإعالتهم، وأن طفلا من بين كل سبعة أطفال يابانيين يعاني من الفقر، وكان ذلك أحد أسباب مبادرة حكومة الحزب الديمقراطي إلى دفع 270 دولاراً شهرياً نقداً لكل عائلة تنجب طفلًا، تشجيعاً لليابانيين على الإنجاب، وتخفيفاً من أعباء التعليم عن كاهل العائلات.

ثالثا- بادر الإعلام الياباني إلى شن حملة على هاتوياما لدى عودته من قمة واشنطن النووية، حيث لم يتح له اللقاء منفرداً مع الرئيس الأميركي باراك أوباما إلا لمدة عشر دقائق، لم يتم خلالها تحقيق تقدم في أي من الملفات الشائكة في العلاقات بين البلدين، اللذين توصف العلاقات بينهما حالياً بأنها في أكثر مراحلها بروداً منذ التسعينات.

رابعا- على الرغم من تأكيد هاتوياما، في حوار أجرته معه مجلة «تايم» أخيرا أن «العلاقات اليابانية الأميركية هي العلاقات الأكثر أهمية بالنسبة إلى اليابان»، إلا أن الخبراء يشيرون إلى أن الخطوات العديدة التي شكلت مبادرات من اليابان تجاه الصين هي جزء من أجندة يابانية لتشكيل تجمع شرق آسيوي على غرار أوروبا، وهو الأمر الذي أثار الكثير من الانزعاج في واشنطن.

هنا تبرز الطريقة اليابانية في التفاوض، والتي تستند إلى فلسفة براغماتية، قادرة على إقناع كل الأطراف بالمنطق الياباني، الذي ينطلق من الاقتناع بأنه كلما زاد تعقيد مشكلة ما زادت القوى الدافعة باتجاه حلها، وأنه في الموقف الراهن لا وجود لتناقض بين التحالف التقليدي بين طوكيو وواشنطن وبين اتجاه طوكيو إلى الانفتاح على القوى الناهضة في آسيا. لكن هل تستطيع طوكيو حقا الرهان على أسلوبها في التفاوض حيال موقف بمثل هذا القدر من التعقيد؟

ربما نرى أولى ملامح الإجابة عن هذا السؤال في تعامل هاتوياما مع الموعد الذي حدده في الحادي والثلاثين من مايو المقبل، كموعد نهائي لنقل قاعدة فوتينما الأميركية إلى خارج أوكيناوا، خاصة وأن الجزيرة التي اقترح نقل القاعدة إليها، وهي جزيرة كوكوتوشيما، بادرت إلى استقبال هذا الاقتراح بمظاهرة تنديد ضمت 15 ألفاً من أبنائها.

kamel@albayan.ae