في وسائل الإعلام التي تبث كل خبر جديد نجد (همّ) الصحة طاغياً لدرجة وصل التشكيك بأن كل ما نأكله ونشربه ونتنفسه، هو سموم وأمراض وأوبئة، وفي هذا الخلط العجيب نجد النواهي عن اللحوم الحمراء والبيض والأكلات السريعة عناوين لكل عللنا الصحية، مقابل التركيز على الثوم، والحبة السوداء والخضروات والفواكه، وأنها خط مانع ضد الأمراض، وهناك إجماع عند كل الأطباء والمحللين أن التوابل الحارة هي أحد أهم أسباب القرحة والحموضة والبواسير وغيرها..

إذا أخذنا بهذه الإنذارات والتوجيهات فإن علينا أن نتناول طعامنا وفق (روشتّة) من الطبيب أو اخصائي التغذية، ومعهما الصيدلي، لكن بماذا نفسر إقبال دول حوض البحر الأبيض المتوسط على أكل اللحوم الحمراء وأكثريتها مشوية؟ وقبل عدة سنوات ظهر تقرير يعطي تلك الشعوب أنها الأكثر غنى وتنظيماً لطعامها وأقل المناطق بأمراض منتشرة في قارات أخرى مثل القلب وهشاشة العظام وغيرها..

ثم إن شعوب القارة الهندية وبعض دول جنوب شرق آسيا هم أكثر من يتعاطون التوابل الحارة بشكل لا يطيقه إلا هم، ومع ذلك لا نجد الموتى والمرضى يندرجون ضمن القائمة العليا بأمراض الجهاز الهضمي بل بنقص الغذاء وبعض الأمراض المستوطنة أو التي تنتشر بالعدوى..

أنا لا أجحد تزايد أمراض السرطان والقلب والسكر والضغط وغيرها وأنها تكاثرت بنسب تصاعدية مهولة في الأزمنة القريبة وفي كل العالم المتقدم والمتقهقر، رغم الكشوفات الهائلة في الأدوية والعمليات الجراحية المتقدمة، لكن الأسباب ربما لا تزال تندرج بأن الإنسان تحول إلى حيوان يغذى بكل صنوف الكيماويات وبات فأر تجارب لما تدفعه شركات الإنتاج الزراعي والحيواني، ومراكز بحوث الأدوية..

وإذا كان بعض الأطباء، وأخصائيي التغذية والصيادلة تحولوا إلى عطارين يعطوننا وصفات لا محل لها من الأعراب مثل القول إن القرفة تقاوم السرطان والضغط، والدهون، وإن الكركم صيدلية كاملة في حفظ الأغذية وتوازن الدهون وإن الحلبة جهاز مناعة كامل، مثل هذه التصريحات من أخصائيين قد يبني بعضهم على بحث ما في أحد معامل الدول أو شركات ترويج لمنتج جديد، وتعميم هذه الوصفات، لا يختلف عما يقول به العطارون، وأنا في هذه الحال لا أنكر أن البشرية، قبل ترسيخ علوم الطب، كانت تعتمد على ما يسمى بالطب البديل وخاصة الأدوية الناشئة من النباتات، لكن كيف نفسر في ذات الوقت التحذير من تناول أدوية العطارين التي تتسبب في الفشل الكلوي، أو الإجهاض وتليف الكبد، في وقت نرى بعض الاختصاصيين لا يختلفون عن المعالجين الشعبيين؟

الأمر يحتاج إلى ضبط، وإلى مسؤولية في النشر طالما إمكانات التحليل والتجريب قائمة في كل العالم ومعها تعاون في تلك المراكز في تبادل المعلومات..