قد لاتصبح أية عملية انتخابية ذات معنى في الإطار السياسي إذا لم تأت نتائجها بقدر من التغيير في الأشخاص وقد يكون الأهم من ذلك أن تأتي بقوى ورؤى جديدة.

فحيوية أي نظام سياسي، بل حيوية أي عملية سياسية هي في قدرتها على أن تأتي بالجديد القادر ليس على صناعة التغيير وإنما قيادته. وهو تغيير لا يحدث تبديلا في الوجوه والأسماء وإنما التغيير ذلك لقادر على أحداث التحول، وكما اشرنا، التغيير في الرؤى وفي الطريقة التي يتم فيها إنجاز الفعل السياسي.

فالانتخابات العراقية الأخيرة، قد عكست حجم التغيير الذي أصاب المزاج العام وبالتالي توجهاتهم الانتخابية. وهو تغيير لا يمكن له أن يتم دون تعدل ما في حصص الأفراد والجماعات من مركب القوة القائم.

وهي حصص قد تعيد رسم السياسات في الداخل والخارج، بل أنها قد تعيد رسم مواقع العراق في المحيط الإقليمي ولربما قد يُقدر لها أن تحدث قدرا من التغيير في شبكة علاقات العراق الداخلية والخارجية.

ورغم محاولات الماسكين بالسلطة في توظيف نتائج الانتخابات لإعادة مواقعهم في مؤسسة الدولة، إلا أن تغيرا لا يمكن إنكاره قد حدث: أولا بفعل المشاركة الكبيرة للعرب للسنة في الانتخابات الأخيرة:

وثانيا بفعل التململ الذي أصاب المجتمع العراقي من ممارسات قوى الاسلام السياسي العراقية بضفافها المختلفة. فلا يمكن لحزب الدعوة العراقي الماسك بمفاصل الدول أن يستمر انفراده بالحكومة. وقد لا يقدر للقائمة العراقية التي يتصدرها إياد علاوي أن تكون متصدرة كذلك في السلطة بفعل تحالفات عبر عرقية وأثنية بدت تأخذ موقعا لها في الواقع السياسي العراقي.

ومع ذلك فانه بامكاننا القول ان قدرا مهما من التغيير السياسي قد جاءت به الانتخابات العراقية الأخيرة، وأن قدرا من الأفول قد أصاب الماسكين بالسلطة وأن الضعف قد يأتي إليها ولو بعد حين.

وأن ما نسمعه وما نراه ان هي إلا محاولات الفاقد للقوة للاحتفاظ بها. وهي محاولات لا تحدث إلا في المجتمعات التي لم تتجذر بعد فيها الممارسات والثقافة الديمقراطية. بمعنى آخر ان قدرا من التغيير قد جاء على الحالة العراقية، وأن هذا قد يأتي معه بقدر أقل أو أكثر من التغيير في إدارة الدولة.

وأن استمرار البعض فيها لا يعني أن قوى جديدة لن تأتي إليها. فعسر تشكيل الحكومة الجديدة لا يعبر إلا عن شدة الصراع المستتر بين القوى. وأن أيا من هذه القوى لا يستطيع أن يكون منفردا بالسلطة دون الآخرين. وأن قدرا من الشراكة هي أحد مداخل الخروج من الأزمات في الحالة العراقية. وان ما لا يصنع بالعنف قد تأتي صناعته عن طريق صناديق الاقتراع إذا ما أُمِنت صدقيتها.

وإذا ما كانت الانتخابات العراقية قد جاءت بقدر من التغيير احتفظ فيه البعض ببعض مواقع القوة في السلطة مع دخول جديد لقوى أخرى جديدة، فإن الانتخابات الجزئية الفرنسية الأخيرة قد أحدثت قدرا مهما من التغيير أُعيدت فيه القوة ومن جديد لتحالف اليسار بقيادة الحزب الاشتراكي بعد غياب عن السلطة الفرنسية قد تجاوزت العقد ونيف العقد من الزمان.

فالحزب الفرنسي الحاكم حزب يمين الوسط الاتحاد من أجل الحركة الشعبية حزب الرئيس ساركوزي قد حصد ما دون 39% من الأصوات مقابل ارتفاع ملحوظ في صفوف تجمع اليسار التي وصلت لحوالي 53% رغم ارتفاع نصيب اليمين الفرنسي المتطرف بقيادة جون لوبان لحوالي 12% من أصوات الناخبين.

فمحاولات الرئيس ساركوزي فرض التغيرات النيوليبرالية على الاقتصاد والمجتمع الفرنسي قد قاد إلى تمللوردات فعل في أوساط المهمشين من مجتمع المهاجرين.

كما هو في أوساط العمال والمهنيين الفرنسيين. فمحاولات الحزب الحاكم فرض تغيرات الجديدة قد اصطدمت بعمق التحولات الاشتراكية-الليبرالية في الاقتصاد والمجتمع الفرنسي، كما أن الذي عرقل من سرعة أحداث التغيير، هو ما حل بالاقتصاد الفرنسي من جراء الازمة الاقتصادية العالمية وارتفاع معدلات البطالة التي وصلت لحوالي 10%.

وقد اعتبر بعض المراقبون أن نتائج الجولة الأولى من الانتخابات إن هي إلا عقاب قاس لساركوزي وهو في النصف الأول من ولايته الدستورية، لفشله في حماية فرص العمل وتدهور جودة الخدمات الاجتماعية وسط أسوأ أزمة اقتصادية حلت بفرنسا المعاصرة منذ الحرب العالمية الثانية.

فالرئيس ساركوزي قد يكون بإمكانه الاحتفاظ بمؤسسة الرئاسة إلا أن قدرته على الاحتفاظ بمؤسسة الحكومة وفي تدهور شعبية حزبه الحاكم قد لا تبدو قائمة. فهو قد يكون مجبرا كما كان الرئيس شيراك في السابق على أن يتعايش مع حكومة اشتراكية قادمة.

وعلى الضفة الأخرى فإن كل التوقعات تشير إلى تراجع حظوظ حزب العمال البريطاني الحاكم في الاستمرار في السلطة بعد سلسلة الفضائح والإخفاقات التي مرت به. مقابل صعود جديد لحزب المحافظين بعد غياب عن الحكم قد استمر أكثر من ثلاثة عشر عاما. تراجعت خلالها قوة بريطانيا الاقتصادية والسياسية.

بل أن الحديث العام عن بريطانيا يشير إلى انها، أي بريطانيا، قد خرجت من تجمع العظماء (أي الدول العظمى) إلى تجمع الأقوياء. وهو خروج يعكسه تراجع أداء بريطانيا الاقتصادي والسياسي والمعرفي على الصعيد العالمي.

ولا بد من القول هنا أن خروج حزب العمال من الحكم في الثمانينيات ثم عودته إليه في النصف الثاني من التسعينيات قد صاحبه قدر مهم من التغيير في الرؤى والتوجهات السياسية والاقتصادية لحزب العمال.

بل ان هذه العودة قد صاحبتها خروج قدر من اليسارية والدغماتية السياسية التي كان يوصف بها الحزب قبل مجيء بلير لسدة رئاسة الوزارة العمالية. بل ان وجود حزب العمال في الحكم قد شكل في بعض مجالاته خلال السنوات الثلاث عشرة الأخيرة امتدادا اقتصاديا وسياسيا لحكم المحافظين.

كما أن قدرا مهما كذلك من التغير قد أصاب هو الآخر ليس القيادات السياسية للحزب فحسب وإنما تحولا آخر قد أصاب رؤى وتوجهات الحزب وهو في خارج السلطة.

ان جزءا أساسيا من الحيوية السياسية التي توصف بها الحالة الأوروبية والأميركية هو ذلك القدر من التغيير الذي يأتي مع نتائج كل اقتراع سياسي.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com