ثلاثة آلاف من البشر المدنيين قضوا في لحظات معدودات. أولئك كانوا ضحايا تفجيرات 11 سبتمبر 2001 التي استهدفت بالدرجة الأولى برج «التجارة العالمية» في مدينة نيويورك.
الآن وبعد تسع سنوات يتحدث الرئيس الأميركي أوباما إلى شعبه والعالم عن عهد جديد من ظاهرة الإرهاب العالمي سوف يحسب عدد ضحايا عملياته بالملايين - وربما عشرات الملايين- في غضون لحظات أيضا. ذلك ما أطلق عليه الرئيس «الإرهاب النووي» الذي يجعل كارثة 11 سبتمبر تصنف تلقائيا تحت عنوان «الإرهاب التقليدي».
ليس هناك أدنى سبب للتشكيك في مخاوف الرئيس الأميركي من أن المنظمات الراديكالية الإرهابية تسعى سعيا حثيثا لامتلاك قنابل نووية مستفيدة من الانتشار النووي في عالم اليوم لتحقق بالتالي نقلة نوعية خطيرة في أنشطتها تساعدها في ذلك دول معينة متحالفة معها.
هذا الحديث ورد في سياق بيان ألقاه الرئيس أوباما الأسبوع الماضي عن ما اسماه «العقيدة النووية» الأميركية. لكن بينما أطنب الرئيس في شرح الظروف التي قد تدعو الولايات المتحدة إلى استخدام ترسانتها النووية ضد دولة أو دول مع مواصلة الحملات العسكرية والاستخباراتية ضد المنظمات الإرهابية فإنه مثل أسلافه من الرؤساء الأميركيين تحاشى تماما التعرض إلى السؤال الأساسي:
ما هو الإرهاب على وجه الدقة وهل من تعريف محدد أجل للولايات المتحدة تعريف رسمي حكومي للإرهاب. هناك كتيب إرشادي للجيش الأميركي ورد فيه من حيث التعريف أن الإرهاب هو الاستخدام العمد للعنف أو التهديد بالعنف للوصول إلى غايات سياسية أو دينية ذات طبيعة إيديولوجية بوسائل الترعيب أو الإكراه أو زرع الخوف.
إنه تعريف واضح كما يبدو.. لكنه ليس كامل الوضوح. فهناك أسئلة جذرية لا تأتي هذه الصيغة على ذكرها. وفي مقدمة هذه الأسئلة أن هذا التعريف لا يضع حدا فاصلا بين الإرهاب والعدوان أو بين الإرهاب والمقاومة.
العنف عنفان.. أحدهما شرعي. فهناك حقوق مشروعة يجوز النضال من أجلها بكل الوسائل: الحق في تقرير المصير وفي الحرية وفي الاستقلال.
هذا ما ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة. ولنعد إلى الأذهان انه في عام 1987 أجازت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا ينص على حق الشعوب الواقعة تحت أنظمة استعمارية أو عنصرية أو تحت احتلال أجنبي في استخدام الوسائل النضالية بما في ذلك وسيلة العنف.
هذا القرار الأممي ينطوي على مغزى أعظم وأقوى دلالة. فبينما أيدته أغلبية كبرى من الدول الأعضاء فإنه لم يلق معارضة إلا من دولتين فقط هما الولايات المتحدة وإسرائيل. فالإشارة إلى الأنظمة «العنصرية» كانت تمس نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا آنذاك بما يفيد بشرعية العنف النضالي الذي كانت تمارسه الأغلبية السوداء بزعامة نيلسون مانديلا.
أما الإشارة إلى الشعوب الواقعة تحت احتلال أجنبي فإنها كانت إدانة ضمنية ضد الاحتلال الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية وبالتالي كانت إقرارا بشرعية العنف الشعبي الفلسطيني ضد قوات الاحتلال الإسرائيلية.
هنا نأتي إلى لب القضية المطروحة حيث يطرأ تساؤل: هل الإرهاب من المنظور الأميركي سبب أم نتيجة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا ظلت المرتكز الأساسي للسياسة الخارجية الأميركية مع تعاقب الإدارات والرؤساء هو تجريم شعوب بأكملها ودمغها بالإرهاب ليس لأي سبب سوى أنها تناضل من أجل الاستقلالية تطلعا إلى حياة أفضل. وعلى هذا النحو تصنف جماعات نضالية ضمن جرم «الإرهاب».
ويدخل في هذا التصنيف «الحركة الثورية الفيتنامية» وتنظيم الساندنستا في نيكاراغوا وحركة طالبان في أفغانستان بالإضافة إلى حركة «حماس» في فلسطين وحركة «حزب الله» في لبنان. وبالامتداد تشتمل القائمة الأميركية على الدول التي تمد يد المساعدة إلى هذه المنظمات.
مشكلة الولايات المتحدة تكمن في تبنيها استراتيجية امبريالية تدفعها لأن تكون القوة العظمى الوحيدة التي تنفرد بحكم العالم بأسره عن طريق مسلسل لا ينتهي من القهر المسلح.. وبذلك تستنفر دولا ومنظمات للوقوف في وجهها.
قال الفيلسوف الأميركي الراحل صامويل هنتنجتون انه بالنسبة لمعظم العالم باتت الولايات المتحدة «القوة العظمى المارقة» التي تعتبر أعظم خطر خارجي يتهدد المجتمعات الأخرى.
هذا إذن ما يدفع بدول ومنظمات إلى ممارسة العنف الذي تعتبره واشنطن إرهابا.
الآن قد ينتقل العنف المنظم إلى دائرة «الإرهاب النووي». لكن على الرئيس أوباما أن يأخذ في الاعتبار انه إذا تمكنت المنظمات الراديكالية العالمية من الحصول على قنابل نووية جاهزة أو قامت بتصنيعها فإنه سيكون على رأس جدول أولوياتها استهداف الأمن القومي الأميركي.
إنه تحذير لا شك في صحته لكن يدرك الرئيس الأميركي انه لكي تتفادى الولايات المتحدة وشعبها هذا الخطر الجسيم فإن على الطبقة الحاكمة الأميركية أن تستحدث تغييرا جذريا في توجهاتها الإستراتيجية نحو العالم.
كاتب صحفي ـ سوداني