البريطانيون لا يكفّون هذه الأيام عن الحديث حول جديدين فاجآ الجميع.أولهما ذلك البركان الذي تفجّر من منطقة جليدية في أيسلندة وشكّل غيمة في أجواء أوروبا وخاصة في الأجواء البريطانية الأقرب وشلّت حركة النقل الجوي من وإلى القارّة.
وثانيهما ذلك البروز المفاجئ لـ «نايك كليغ»، زعيم اللبراليين الديمقراطيين البريطانيين الذي لم يكن حتى أيام قريبة سوى شخص «مغمور» للغالبية العظمى من مواطنيه والذي تندّر الصحافيون البريطانيون ورسامو الكاريكاتير كثيرا من عدم تعرّف أحد عليه عند مروره في الأماكن العامّة.
«نايك كليغ» أصبح نجما تحتل صوره وأخباره صدر الصفحات الأولى والنشرات الإخبارية، وليس في بريطانيا وحدها ولكن في أوروبا كلّها، وإلى حد ما في العالم.
البريطانيون سيتوجهون يوم 6 مايو القادم إلى صناديق الاقتراع كي يختاروا ممثليهم في البرلمان والذي ستتقرر على أساس تشكيلته هوية الحكومة البريطانية القادمة. وليس هوية الحكومة فقط ولكن أيضا توجهات السياسة الخارجية للبلاد خلال السنوات القادمة وطبيعة علاقاتها مع أوروبا ومع بقية العالم...ربما باستثناء العلاقة مع الولايات المتحدة فـ «الهوى الأطلسي» لبريطانيا لا يخضع للتقلبات الحكومية.
لقد كانت الحملة الانتخابية حتى يوم الخميس 15 من الشهر الجاري «مملّة» إلى حد ما لأن نتيجتها كانت تبدو مقررة مسبقا. فمنذ فترة طويلة، وتحديدا منذ مطلع عام 2008 كانت التحليلات واستطلاعات الرأي تدلّ كلّها على أن زعيم المحافظين دافيد كاميرون سيخلف العمالي غوردون براون في «داوننغ ستريت» حيث مقر رئاسة الحكومة ويضع حدا لوجود حزب العمال في السلطة منذ 17 سنة.
وفي ذلك الخميس شاهد حوالي 10 ملايين من البريطانيين «مناظرة» تلفزيونية شارك فيها المرشحان الرئاسيان «حتى آنذاك»،أي براون وكاميرون، إلى جانب نايك كليغ، ممثل اللبراليين الديمقراطيين.ولم يكن معروفا من قبل في الأعراف الإنجليزية الصارمة أن يتم اختيار الناخبين لممثليهم «تلفزيونيا».
هذا على عكس الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا مثلا حيث قد يكون النقاش التلفزيوني للمرشحين قبل «المعركة الحاسمة»... حاسما هو الآخر. المثالان الأكثر شهرة على ذلك هما «المواجهة» التلفزيونية بين ريشارد نيكسون وجون كندي عام 1960 وبين فاليري جسكار ديستان وفرانسوا ميتران عام 1981.
كان ذلك النقاش التلفزيوني الثلاثي بين براون وكاميون وكليغ حدثا لا سابق له في بريطانيا. ونتج عنه حدث لا سابق له هو الآخر فيها. ذلك أن «الحصان الأقل حظّا في الفوز» هو الذي خرج منتصرا.
الجميع اتفقوا على أن كليغ ارتفع إلى مصاف منافسيه، بل وضعته بعض استطلاعات الرأي في المرتبة الأولى.المؤكّد هو أنه لن يصبح رئيسا لوزراء بريطانيا بعد الانتخابات فالقانون الانتخابي البريطاني نفسه لا يسمح موضوعيا بذلك.
لكن حصول حزبه على حوالي 100 مقعد ـ كما تدلّ أغلبية التقديرات ـ من أصل الـ 650 مقعدا في البرلمان البريطاني سيعني آليا فقدان الفائز من العمّال أو المحافظين للأغلبية المطلقة. وبرلمان بدون أغلبية يسمونه في بريطانيا «برلمانا معلّقا».
بالطبع لم تُحسم المعركة الانتخابية بعد ولكنها بدأت حقيقة على أساس خارطة انتخابية جديدة بعد أن «خلط» صعود كليغ الأوراق. ولا يزال هناك لقاءان تلفزيونيان قبل اليوم الانتخابي الحاسم في 6 مايو القادم.والأيام القليلة التي تفصلنا عن هذا اليوم حاسمة وسيتكشّف إذا كان البروز المفاجئ لنايك كليغ، على قاعدة ما طرحه وخاصّة ضرورة مكافحة فساد الطبقة السياسية وصولا إلى قوله :
«إن الاقتراع لحزب العمّال أو لحزب المحافظين يعني اقتراعا لصالح الفساد«، هو مجرّد هبّة وخمدت؛ أم أن صعوده يعبّر عن هبوب ريح سياسية جديدة ستكون لها نتائجها الكبيرة والهامّة على صعيد توجهات السياسة الخارجية البريطانية كلّها.
ما يُعرف عن كليغ هو أنه «أوروبي الهوى» على عكس المحافظ كاميرون الذي أعلن صراحة أنه «لا يحمل أوروبا في قلبه» وعلى عكس العمّالي براون الذي تعامل دائما مع الملف الأوروبي عن مسافة وب» البرودة» الانجليزية التقليدية. وبكل الحالات سيكون على هذا وذاك أن يأخذا باعتبارهما التيار الذي يمثّله «الرجل الثالث» الذي خرج لهم فجأة.
لقد ترك كليغ الباب مفتوحا للمستقبل ولا يتردد في تكرار القول: «يجري طرح الأمور وكأن غليغ أو كاميرون أو براون هم أصحاب القرار الكبار. وفي بريطانيا هناك 40 مليونا اصاحب قرار كبير وهؤلاء هم الذين يملون علينا تعليماتهم».
الثابت هو أن صعود كليغ هو أساسا على حساب كاميرون والمحافظين مما ينعش الأمل لدى براون والعمّال بإمكانية الاستمرار في الحكم على مبدأ «مصائب قوم عند قوم فوائد». واللعبة الانتخابية الانجليزية تكسر أخيرا التقاليد وتخل «عصر التلفزيون».
كاتب سوري ـ باريس