كلما احتفلت اسرائيل بذكرى قيامها ، التي تصادف ذكرى اغتصاب فلسطين، سعت الى إبطال المناسبة لدى الفلسطينيين، حتى لا يكدروا على الاسرائيليين هذه المناسبة التي تريد تعميق الشعور لديهم بان لهم دولة آمنة ومستقرة، رغم ان الوقائع لا تشير مطلقا الى وجود هذا الاستقرار وهذا الأمن، لأن ذكرى اغتصاب فلسطين لا يمكن ان تمحى من ذاكرة الأجيال .
بما في ذلك اجيال يهودية ، من اولئك الذين انخدعوا بأوكام الوكالة اليهودية التي تغري اليهود بالهجرة الى اسرائيل وتصورها لهم على انها ارض السمن والعسل ، حتى اذا جاءوا وجدوا عكس ما صور لهم من قبل.
هذا الوضع يزيد ساسة اسرائيل توترا ويزيدهم عدوانية ، وكذلك يزيدهم خوفا من عواقب السلام ، فيروحون يبحثون عن وسائل لخلط الأوراق ، وتوجيه أنظار العالم بعيدا عن الاعتداءات الاسرائيلية المستمرة على الشعب الفلسطيني ، وفي ذات الوقت يضعون مزيدا من الخطط لتفريغ الارض الفلسطينية من اصحابها وبناء المستوطنات عليها وكذلك الخطط الهادفة الى تهويد القدس بالكامل.
وكلما مرت الايام قضمت اسرائيل جزءا جديدا من الارض الفلسطينية ، وسعت لتمزيق ما لم تقضمه بالأسوار والحصار والمعابر والحواجز.
وهانحن الآن امام الذكرى الثانية والستين لنكبة فلسطين، فإلى ماذا صارت القضية عبر كل هذه السنين؟، لا نجد على الجانب العربي سوى الاختلافات في التوجهات ، سواء بين فصائل المقاومة الفلسطينية او بين الدول العربية المختلفة بدورها حول افضل السبل لمواجهة هذا التراجع والانشقاق.
كما لا نجد على الجانب الدولي ، وخاصة الدول المنضوية تحت ما يسمى باللجنة الرباعية الدولية لسلام الشرق الاوسط ، ما يشير لوجود خطوات عملية لاحقاق الحقوق الفلسطينية.
صحيح ان السنوات الاخيرة ، وخاصة بعد العدوان الاسرائيلي الوحشي على قطاع غزة في مطلع العام الماضي، قد شهدت ما يمكن اعتباره صحوة في الضمير العالمي تجاه معاناة الشعب الفلسطيني وأسباب تلك المعاناة، لكن الممسكين بزمام الحركة الفاعلة على مسرح الاحداث لا يزالون بعيدين عن إرادة التحرك صوب إعادة الحقوق لأصحابها الطبيعيين وللحقيقة والتاريخ فإن المتحدثين في السلام وعنه لم يضعوا يدهم على مصدر هذا الصداع السياسي المستمر دون أي نتيجة .
او لنقل لم يعترفوا بحقيقة لا تزال غائبة عن الرأي العام الدولي وهي ان المحركين الحقيقيين والمحرضين الحقيقيين للتعنت الاسرائيلي ليسوا ظاهرين على السطح ولا يشير إليهم أحد بإصبع الاتهام وهم جماعات الضغط الصهيوني في كل من الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي .
ورغم ان الشواهد على ذلك عديدة ، وظهرت اكثر حين جاءت إدارة اوباما الى السلطة في الولايات المتحدة بحزمة جرئية من التحركات التي تجاوب معها العالم ، ثم انطفأت شعلة التغيير فجأة ودون إبداء الاسباب ، وتغيرت دفة السياسة الاميركية من الاعتدال الى العودة الى الانصياع المطلق لرغبات المتطرفين في أروقة الحكم بإسرائيل والذين يعرفون جيدا الى من يلجأون لإحباط أية عملية ضغط تمارس عليهم للانصياع لمتطلبات السلام العادل والشامل في المنطقة.
كما ان هذه الجماعات المتصهينة هي التي تملك النفوذ الأقوى من خلال السيطرة على القنوات التشريعية والاقتصادية في كل من الولايات المتحدة واوروبا ايضا ، وما يردده ساسة هذه الدول حول سلام الشرق الأوسط ما هو إلا من باب (حسن التخلص) او حفظ ماء الوجه.
ولا يعني ذلك ان الطريق مسدود نحو السلام ، لكن على اصحاب القضية ان يعرفوا من أين تؤكل الكتف كما يقول المثل العربي، فبدون ضغوط اقتصادية وسياسية من الجانب العربي والدول المحبة للسلام والمؤيدة للحق الفلسطيني، ستظل مرارة النكبة كأسا مترعا يفيض بمحتواه كلما عادت ذكرى ضياع فلسطين المعروفة بذكرى (النكبة).
