افترق العجوز يوريان هابرماس، الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني، الذي هو في أرذل العمر الآن، عن أسلافه مؤسسي المدرسة النقدية أو «مدرسة فرانكفورت» وعلى رأسهم أدرنو وهوركايمر بنزعته التفاؤلية.

كيف لا وقد عاش وتخطى أهوال الحرب العالمية الثانية وسلم منها وهو غر يافع، ليرى بأم عينه نهضة ألمانيا وقد قامت من كبوتها بعد اندحار هتلر ونظامه العنصري.

ثم أَنَّى يكون مصير أسلافه إلا التشاؤم وهم قد عاشوا مرارات الاضطهاد في وطنهم مع صعود الحزب النازي، وحسرات فشل الاشتراكية وتحولها إلى نظام استبدادي شمولي على يد ستالين.

هكذا أغلق هؤلاء أبواب مدرستهم وشدوا الرحال إلى نيويورك، ليعيشوا غربة المنفيين والمهاجرين ولوعة فراق الوطن، وليفتحوا أبواب «مدرسة العلوم الاجتماعية والاقتصادية» ثانية وليُدَرِّسوا بلهجة «انجليزية ثقيلة» تأباها الأذن الأميركية.

ثم ليؤلفوا سيلاً من الكتب والمقالات الرصينة دون أن يكترث بها إلا القلة القليلة. إذ كيف يكترث الجمهور الأكاديمي الأميركي بشرذمة من أجانب تقطعت بهم السبل، يكتبون «برطانة» ماركسية معقدة والحرب الباردة على أشدها، ليقولوا للأمريكان وقد أخذتهم «العزة بالإثم» وأسكرهم انتصارهم في الحرب العالمية الثانية وباتت جبهتهم الداخلية صلبة.

وأضحوا في رغد من العيش بفضل خدمات «دولة الرفاه» ، كيف يكترث هذا الجمهور بدعوات الصراع الطبقي التي كان يدبج هؤلاء بها مؤلفاتهم الضخمة، آناء الليل وأطراف النهار؟!

وكيف بالجمهور الأكاديمي الأميركي أن يقتنع بهكذا «فكر مستورد» وأحد أبنائه، وهو تالكوت بارسونز يؤلف كتاباً تلو الآخر ليقول لهم إن ناموس الحياة وقانونها الأبدي هو «التوازن والاستقرار» وأن الأرزاق توزع حسب المواهب التي هي غير متكافئة بين البشر، وأن المجتمع كالكائن الحي الذي تعمل جميع أعضائه بتناغم وانسجام لتبقيه على قيد الحياة.!!

هكذا اسودت الدنيا بأعين الرعيل الأول من المدرسة النقدية، فهم قد خاب رجاؤهم بالتجربة الاشتراكية، لأنها لم تحقق المجتمع الإنساني الذي كانوا ينشدونه، وهم أيضاً لم يعد لهم أمل في «البروليتاريا» الغربية وخاصة الأميركية لكي تقوم بعملية التغيير المطلوبة، حيث استطاع النظام الرأسمالي احتواءها لتصبح جزءاً منه.

وهم أيضاً أدركوا مدي «هيمنة» الأيديولوجيا في هذه المجتمعات، والتي باتت تسير أفراده وتوجههم بفكرها الزائف المنطلق من «العقل الأداتي»، بحيث أضحت عقلية أفراده مكبلة بنظرة مادية طغت على الجميع، ونخرت عظامه ووصلت حتى إلى العلاقة بين المرء وزوجه.

ولم تكن إلا ومضات هربرت ماركوز، الذي أدركته الشهرة وهو شيخ طاعن، التي أحيت الأمل في النفوس، ورأت باب الأمل والرجاء مفتوحاً بقوة الأقليات التي كانت تموج جموعها في المدن الأميركية لتطالب بحقوقها المدنية وبالمساواة مع البيض، وبعنفوان الشباب وثورته والذين ملؤوا ساحات الجامعات مطالبين بوقف حرب فيتنام، وبالمرأة التي استشرف لها دوراً قادماً في تحريك المجتمع.

طلق هابرماس هذا التراث المليء بالحبور والإخفاق طلاقاً بائناً، ورأي أن باب الأمل للتغيير إلى مجتمع العدالة والمساواة ما زال مفتوحاً، حيث إن الرأسمالية لم تضع أزماتها وراء ظهرها إلى الآن، ولعل ما تعيشه حالياً هو أعقدها وأعمقها، وهي «أزمة الدافعية» المتعلقة بثقافة المجتمع الأوروبي ونظرته التي تغيرت للعمل، بوصفه «عبادة» انطلاقاً من التعاليم البروتستانتية.

التي مثلت الأرضية الأخلاقية لانطلاقته الأولى، إلى أن يكون العمل عبئاً يلوذ منه الفرد إلى حالة الكسل والاسترخاء بفعل العيش الآمن الذي وفره له نظام «دولة الرفاه».

ثم إنه لم ير أيضاً في «العقل الأداتي» كفراً بواحاً، ذلك أن جانباً منه (وهو النظرة المادية) قد كان لها دور إيجابي في تطور البشرية، وهو ما يتوضح حينما يربط بين تطور المعرفة والمصالح الإنسانية. والملاحظ أن النظرة الإنسانية وليست الطبقية ما يروم هابرماس بيانها.

والبشر بوصفهم بشراً، شعوباً وقبائل وجماعات، لهم ثلاث مصالح مشتركة، وهذه تحققها علوم مختلفة. الأولى، المصلحة التقنية، أي الاستفادة من قوى الطبيعة وتجييرها لصالح الإنسان. وهذه تحققها العلوم التحليلية (كالرياضيات والمنطق) والعلوم التجريبية (كالفيزياء وغيرها).

وفي هذا المجال تُستعمل النظرة المادية أي العقل الأداتي، ويتوضح دوره الإيجابي. أما المصلحة العملية، فهي الثانية، وهي حسن التواصل بين البشر، مجتمعات وأفراداً، وهذه بالطبع الشغل الشاغل للعلوم التأويلية، وهي العلوم الاجتماعية.

وآخر تلك المصالح الإنسانية المشتركة، وهي ما نحتاج هابرماس من أجله في مجتمعنا الكويتي، فهي مصلحة التحرر والانعتاق، وتعني إزالة الشوائب العالقة في النفوس، والتي تعوق التفاعل الصادق بين أبناء المجتمع الواحد، بل بين البشر جميعاً، لما في دواخلهم من ترسبات وعقد.

ووسيلتنا إلى بلوغ تلك المصلحة وتحقيقها هما النظرية النقدية والتحليل النفسي. فبمشرط النظرية النقدية نشرح مساوئ وعورات المجتمع لنتخلص منها، وبالتحليل النفسي، نحلل ما بأعماق أعماقنا بصراحة حتى نستطيع تجاوزها، إذ لا بد أن تكون المصارحة قبل المصالحة.

ما أحوجنا في الكويت إلى «التحرر والانعتاق» مما تمتلئ به نفوسنا، ومن غير المصارحة فلن نذوق طعم السكينة والسلام.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com