من فترة لأخرى تواجهنا ظواهر فنية جديدة في عالمنا العربي، يأتي على رأسها تلك الموجات المتواصلة من الأغنية العربية والتحولات المرتبطة بها سواء على مستوى اللحن أو الكلمة أو حتى على مستوى الشكل الاستعراضي الذي أصبح لازمة من لوازمها. وتثير أشكال الأغنية العربية العديد من أوجه الارتباك في التعامل معها.
فالبعض يتعامل معها بداية من منطلق نقدي نخبوي لا يرى فيها سوى انحطاطا للثقافة العربية وترديا للأوضاع الفنية بشكل عام. وفي السياق ذاته يرتبط ذلك بظهور العديد من الفنانين والفنانات الذين لا يرتبطون برسالة فنية معينة ويهدفون في النهاية إلى الظهور الإعلامي والتربح بغض النظر عن قيمة ما يقدمونه فنيا ومجتمعيا.
والخلاصة أن هذا الفريق لا يرى أي شيء حقيقي وجدي يقدمه هذا النوع من الفن الذي يصفونه بالفن «السوقي» أو «المبتذل» أو «المنحط» أو «الهابط» إلخ من التوصيفات العنيفة التي تصل لأخف درجاتها في وصف هذا النوع من الفنون «بالفن التجاري».
وفي مقابل ذلك هناك فريق آخر من النقاد يؤصل لهذا النوع من الغناء المعاصر، ويبالغ دائما في الإشادة به وبمن يروجون له إلى الحد الذي نشعر فيه أننا أمام ظواهر فنية غير عادية تشعرنا باليأس والإحباط بين ما نراه على شاشات القنوات الفضائية المختلفة وبين ما نسمعه من هؤلاء النقاد الذين لا ينضب معين مدحهم وإشادتهم.
تحيرنا الألقاب التي يُطلقها هؤلاء النقاد أيضا؛ فنحن أمام نوع جديد من الموسيقى والكلمة ورشاقة المغني أو المغنية، بشكل نعجز فيه عن الإلمام بخزينة الألقاب التي يطلقونها على الأغنية العربية والمرتبطين الجدد بها.
ورغم المساحة الهائلة التي تكتسبها الأغنية العربية اليوم فإن اللافت للنظر أن كم المديح الهائل الموجه لها لم يخفف من وصمها بالسوقية، وهي مسألة تستدعي فهم هذا النوع من الفنون والتأصيل الوصفي والتحليلي له. بداية علينا ألا نفصل هنا بين أية ظاهرة إبداعية وبين المحيط الواقعي الخاص بها، فكل الظواهر الفنية لا تنفصل عن السياق المجتمعي والزمني الخاص بها.
والأهم من ذلك أن الفن ذاته مرتبط في التحليل النهائي بنوعية الأجيال التي تنتجه من ناحية وهؤلاء الذين يستهلكونه من ناحية أخرى. فمن غير الممكن على سبيل المثال أن تظهر الأغنية العربية المعاصرة بوضعيتها الحالية في مطلع القرن العشرين، أو حتى في منتصفه، كما يصعب تماما أن تظهر أغاني بدايات القرن العشرين في أيامنا هذه.
من هنا فإن اتهام ظاهرة فنية بالسوقية هو بشكل أو بآخر اتهام للسياق الزمني والمكاني الذي أنتج هذه الظاهرة، كما أنه يعني أيضا أن الشريحة المنتجة والمستهلكة لها تتسم بالسوقية وتروج لها.
ويعني ذلك أيضا أن هناك شريحة أخرى تفترض أن فنونها هي الأرقى، وأن ما عداها يتسم بالسوقية والابتذال. واللافت للنظر في عالمنا العربي على سبيل المثال أن الفن الراقي نخبوي بينما الفن السوقي شعبي يغزو البيوت والمقاهي وسيارات الميكروباص والمناسبات الاجتماعية المختلفة.
فلماذا يصبح الفن الذي يعبر عن ذائقة جماهيرية محدودة راقيا بينما يُعد الفن الذي يشمل شرائح واسعة من الجماهير هابطا ومبتذلا؟ وما هي المعايير التي تسم فنا ما بالرقي بينما توصم نوعا آخر بالابتذال؟ نقول ذلك بمناسبة ظهور مطرب مصري جديد لاقى نجاحا غير عادي أعاد لسوق الكاسيت شعبيته التي غابت عنه في الفترة الأخيرة.
ويكفي أن نشير هنا إلى الرواج الجماهيري الكاسح لأغانيه على اليوتيوب الذي شارف على المليون مستخدم حتى الآن. وارتبط ظهور هذا المغني باستخدام كلمات من واقع المجتمع المصري أثارت ضجة كبيرة بين مؤيد ومعارض لها، بين من يتهمها بالسفالة والاضمحلال وبين من يرى فيها ارتباطا عميقا بالشارع المصري.
ويمكن أن نشير إلى أمثلة من تلك الكلمات التي يتداولها المصريون كل يوم مثل «خرنج» و«كاورك» و«سجاير فرط» و«بينفسن»، و«يأسفن» و«خبلانة» و«ممهمزني».. إلخ من الكلمات.
ورغم أن كلمات الأغاني التي كتبها أشهر كاتب أغان في مصر الآن قد تعاملت مع العديد من القضايا الحياتية مثل السلوكيات اليومية وتقلبات النساء وضياع الثروة وتغير نفوس البشر، بما يتجاوز التركيز على الأغاني العاطفية التي أرهقنا الاستماع لها، فإن هذا النوع من الأغاني أثار ضجة هائلة في مصر بين مؤيد ومعارض.
نحن أمام ظاهرة فنية جديدة، تستمد كلماتها مما يتداوله الناس، وترصد مشكلاتهم وممارساتهم المختلفة، لتعيد صياغتها بشكل صادم جديد، يقبله البعض ويتعاطاه، بينما يرفضه البعض الآخر ويجده سوقيا ومبتذلا.
يحتاج النقاد اليوم أن يتجاوزوا تصنيف الفن المتعارف عليه بين راق ومبتذل من أجل ملاحقة تلك الظواهر الفنية الجديدة التي ربما لا تعجبنا لكنها في النهاية تفرض نفسها على ساحة الغناء وتستحوذ على مساحات جماهيرية هائلة في عصر الإنترنت واليوتيوب.
كاتب مصري