صدر مؤخراً عن دار بلوتو الأميركية كتاب بعنوان «التطهير الثقافي في العراق». وهو كتاب قام على تأليفه مجموعة من الباحثين، وحرره طارق اسماعيل الأكاديمي العراقي المعروف وابنته شرين إسماعيل أستاذة الاجتماع فضلا عن ريموند بيكر أستاذ العلوم السياسية بجامعة ترينتي والمتخصص في دراسة مصر والإسلام.
والكتاب يعرض، في فصول عشرة، ما حدث في العراق منذ الغزو الأميركي على المستوى الثقافي والفكري والحضاري.
فهو يحكي قصة تدمير كنوز العراق التاريخية والحضارية فضلاً عن المخطوطات النادرة والسجلات الوطنية. غير أن الأهم هو أن الكتاب وثق لما حدث للعقول العراقية من أكاديميين ومثقفين تم استهدافهم بالقتل والاختطاف أو بالترويع المؤدي للهجرة.
وقيمة هذا الكتاب تنبع في ظني من أنه يسلط الأضواء على كون الجريمة التي ارتكبت في العراق لم تكن مجرد احتلال أرضه وتدمير بنيته الأساسية وإنما امتدت- وهو الأخطر- لما أسماه الكتاب «التطهير الثقافي»، أي تفريغ العراق من محتواه الحضاري والتاريخي والثقافي والفكري.
والتعبير له دلالته لأن الكتاب الصادر باللغة الإنجليزية يستهدف بالأساس القارئ الأميركي الذي لا يعرف الكثير أصلاً عما تفعله بلاده في الخارج بل يغلب عليه الإيمان بأن بلده مصدر خير دافق للعالم، فهي عنده تتدخل لصالح الشعوب المظلومة ولنجدتها لا لأي سبب آخر.
ومن ثم فإن استخدام ذلك التعبير الصادم على غلاف الكتاب يمثل محاولة للحث على نوبة صحيان موجهة للقارئ الأميركي تحديداً.
والكتاب كان أميناً مع قارئه منذ اللحظة الأولى. فهو رغم أنه وثق الجرائم التي ارتكبت إلا أن الباحثين أكدوا في مواضع كثيرة على أنهم لا يملكون أدلة تشير لهوية مرتكبي أحداث بعينها مثل المسؤول عن استهداف أساتذة الجامعات. وبناء على ذلك كان الكتاب واضحاً في تحديد المنهج الذي يتبعه.
فقد قال ريموند بيكر بوضوح في المقدمة أن منهج الكتاب كان البحث عن أنماط معينة من السلوك تسمح بتحليل قاعدة البيانات التي توفرت لدى الباحثين.
والحقيقة أن البحث عن أنماط متواترة من السلوك هو أساس كل نظريات العلوم الاجتماعية عموما. فنحن في علم السياسة لا يمكننا - كما يفعل علماء الكيمياء مثلا- أن نعيد التجربة للتأكد من نتائجها. فنحن لا نستطيع أن نكرر حرباً ما لنخرج بنظرية عن الحروب. لذلك فإن ما نفعله هو أننا نبحث في الحروب المختلفة عن نمط متكرر فنصل إلى بناء النظريات.
ومن هنا، أحسن المؤلفون صنعاً حين ذكر بعضهم في أكثر من موضع أميركا اللاتينية وخبراتها. فنحن العرب ضمن تقصيرنا في دراسة الولايات المتحدة وفهمها قصرنا للغاية في دراسة السياسة الأميركية في أميركا اللاتينية.
ولا أخفي أنني كثيرا ما أقرأ لكتاب كبار في عالمنا العربي فأندهش من اندهاشهم من أن يصدر ما يصدر عن أميركا في العراق أو في غيرها. والسبب في اندهاشي هو أن ما تفعله الولايات المتحدة اليوم في العالم العربي اليوم ليس فيه جديد في أغلب الأحيان. فقد فعلته من قبل في جواتيمالا أو السلفادور أو مع تشيلي وكوبا.. الخ.
ففرق الموت التي ظهرت في العراق وأفغانستان هي نقل واضح لما حدث في السلفادور وجواتيمالا. وإستراتيجية مكافحة التمرد المتبعة في العراق وأفغانستان والتي يروح ضحيتها المدنيين جربت من قبل في أميركا اللاتينية بل وفى فيتنام. بعبارة أخرى، فإن العودة للتاريخ تساعد كثيرا في البحث عن أنماط متكررة من السلوك.
لكن لعل أهم ما جاء في الكتاب هو تأكيده على استهداف الذاكرة الجمعية للعراقيين. وهو يقول إن استراتيجية الاحتلال قامت عمداً على هدم العراق. فالمحافظون الجدد كانوا يؤمنون أنه لا يمكن بناء عراق جديد طيع يخضع تماماً للهيمنة الأميركية دون هدم العراق الموجود أصلاً.
ومن هنا فإن عملية الهدم تلك كان لابد أن يكون في جوهرها هدم الذاكرة الجمعية للعراقيين أي الذاكرة الجمعية لهم كأمة واحدة فضلاً عن تلك المتعلقة بهم كمجتمع له حضارة وتاريخ.
غير أنني قد وجدت أن الكتاب خلط بين الذاكرة الجمعية والذاكرة التاريخية. فالذاكرة التاريخية هي تسجيل الأحداث والوقائع التاريخية. وهي تصل إلينا عبر المتاحف والسجلات والصور والمقتنيات الأثرية المختلفة.
أما الذاكرة الجمعية فهي أوسع من ذلك بكثير. فإحدى وظائفها الأساسية هي تدعيم الروابط داخل الجماعة الواحدة. لكن الكتاب حين تحدث عن هدم الذاكرة الجمعية قصر ذلك على السجلات والمتاحف ونهب ثروات العراق الأثرية وتدميرها بما يعني أنه قصرها على الذاكرة التاريخية وحدها، في حين أن مفهوم الذاكرة الجمعية يرتبط بدرجة أكبر بالبشر الأمر الذي يعني بالضرورة أن يكون اغتيال الأكاديميين والمثقفين من أهم أشكال هدم الذاكرة الجمعية.
فالذاكرة الجمعية عملية حية يقوم بها البشر وهى لذلك عملية انتقائية بالضرورة لأن البشر ينتقون من التاريخ في كل مرحلة ما يناسب واقعهم ويخدم وظيفة الذاكرة أي استدعاء الماضي لفهم الحاضر.
لذلك فإن استهداف المفكرين والأكاديميين العراقيين خطورته ليس فقط في أنه يحرم العراق من عقولها ولكن لأنه يحرمها من أفضل عقولها القادرة على استدعاء الأهم من التاريخ العراقي في لحظة المحنة الحالية.
فانتقاء العقول العراقية من الماضي ما يساعد على التعامل مع الحاضر هو بالضبط ما كان مرفوضا ومثل تهديدا لفكر المحافظين الجدد لأنه يجعل من مهمة هدم العراق «القديم» لاستبداله مسألة أكثر صعوبة.
باختصار فإن استهداف العقول بالاغتيال أو التهجير هو ربما أخطر ما يمكن أن يؤثر على الذاكرة الجمعية للعراقيين. وأيا كان المسؤول عن ذلك الاستهداف تظل تلك من أهم الجرائم التي ارتكبت منذ الاحتلال الأميركي.
كاتبة مصرية