أثارت الروح السلمية التي أدار بها السودانيون عملية الانتخابات الأخيرة، دهشة الجميع وبالذات المراقبين الآتين من الخارج والذين لا يعرفون الشعب السوداني جيدا.

فقد كانت الأجواء مشحونة بالتوتر وكانت المواقف متباعدة ومتطرفة. وتوقع الجميع أن يكون الصدام حتميا، وأن يندلع العنف فور بداية الاقتراع. وتعقد الأمر حين تناثرت في الساحة تهم التزوير سريعا. وبعد أن أخذت الانتخابات هذا المنحي الايجابي رغم شعور الغبن لدي المعارضين انتشرت في الساحة الأحاديث عن الحكومة القومية أو ذات القاعدة العريضة.

وهنا يبرز السؤال:الي أي مدي يمكن أن نعتبر السودانيين توافقيين وميالين للحلول الجماعية والقومية لمشاكلهم؟ علي المستوي الشخصي، دأبت علي تصنيف السودانيين والمجتمع السوداني عموما علي أنه انشطاري وانقسامي.

فهل هناك شعور جديد ناتج عن التطورات الحرجة التي تواجه السودان خلال الفترة القادمة؟ فقد تميزت الحملة الانتخابية بعدم قبول الآخر ولا احترام الاختلاف.

وفهم البعض كلمة«معركة» انتخابية بأنها فعلا معركة بالمعنى الحربي الحرفي قاتلا أو مقتولا. ولذلك واجه التشكك ثم الرفض السريع، الدعوة.

تساءل الرافضون والمتشككون: لماذا رفض المؤتمر الوطني أي حديث عن الحكومة القومية حين كانت ضرورية للإشراف على الانتخابات لضمان النزاهة والحرية؟

وكان السؤال المنطقي الآخر: ما الذي يدفع حزبا يدعي أنه اكتسح الانتخابات أن يطلب من خصومه المهزومين مشاركته السلطة مما يعني بالضرورة حرمان بعض عضويته من نصيبها في السلطة وإبعادها عن غاياتها التي دخلت بسببها المعترك السياسي: السلطة.

واعتبر المعارضون هذا العرض رشوة أو خطوة استباقية لكي لا تثير قضايا التزوير وبالتالي عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات وادخال المؤتمر الوطني مجددا في دائرة عدم الشرعية.

فالانتخابات عملية غسيل تاريخ ونشأة للانقاذيين والاسلامويين، ويريدون بداية تاريخ جديد لا يذكرهم بأي شيء قبل الانتخابات.

فالاشتراك في حكومة قومية أو ذات قاعدة عريضة كما يفضل البعض، يعطي للنتائج شرعية كاملة حين يكون النواب الآتون من هذه الانتخابات لذلك،كان البشير أكثر دقة من نائبه ومستشاره حين قال:حكومة من الأحزاب التي ظهرت شعبيتها في الانتخابات اي حازت على مقاعد في البرلمان.

وحسم دور المقاطعين بأن لا مكان لهم في مثل هذه الحكومة. ولابد لنا من توقع توترات من نوع جديد، فالحديث السابق للبشير يوحي بأن المؤتمر الوطني الفائز في الانتخابات القادمة لن يعترف بأي معارضة من خارج البرلمان.

لأن مثل هذه المعارضة سوف تعتبر نوعا من التخريب والإثارة وتعطيل عمل السلطة التشريعية، خاصة لو لجأت للمظاهرات والاضرابات والاعتصامات. وهذا ما قصده نافع علي نافع حين اتهم المعارضة بأنها تسعى لاسقاط النظام من خلال المظاهرات والشارع.

ليس من المتوقع أن يفوز المؤتمر بكل الدوائر الانتخابية، مع وجود الاشكال المختلفة للانتخاب:الدوائر الجغرافية التشريعية، التمثيل النسبي، المرأة. وهذا يعني بالضرورة تسرب عناصر معارضة حقيقية تختلف عن العناصر التي كانت في المجلس الوطني المعين الحالي.

وسيقوم هؤلاء النواب بالمحاسبة والرقابة في جلسات قد تكون منقولة إعلامية، ولأن المؤتمر الوطني ما زالت فيه بقية من شمولية سوف يتضايق من مثل هذه المعارضة. لذلك، من المريح تكوين حكومة تشمل الجميع ويتحمل الجميع مسؤولية الحكم.

وهذه هي النقطة المهمة والجوهرية في الدعوة للحكومة القومية. أقصد خلق صيغة لتحمل المسؤولية جماعيا خلال الفترة القادمة وبالذات احتمال انفصال الجنوب. ومن الواضح أن الحركة الإسلامية القائدة لحزب المؤتمر الوطني لا تطيق، مهما كانت أخطاؤها الأخرى،أن يكتب التاريخ أن انفصال الجنوب قد تم تحت حكمها.

ولذلك ستعمل كل ما يمكن لجذب شركاء يتحملون معها أي مسؤولية محتملة. ومن المتوقع أن تخسر بعض الاحزاب الحليفة للمؤتمر الوطني في حكومة الوحدة الوطنية الحالية في الانتخابات.

فهل سيقبلها المؤتمر الوطني وهي لا تستند على أي شعبية؟ اغلب هذه الأحزاب هي نتيجة انشقاقات،وكانت مهمتها اضعاف احزابها الأصل وقد ادت هذه المهمة. وبالتأكيد سوف يفضل المؤتمر الوطني الاحزاب السياسية القوية كمصدات للمعارضة المحتملة لكي يحكم وهو مرتاح.

هناك حديث يقول بتكوين حكومة من التكنوقراط. ولا أظن أن مثل هذا الاقتراح سوف يجد أي تجاوب بعد هذه المعركة الشرسة.فكل القوى السياسية كانت تريد معرفة وزنها السياسي أولا،ثم أعلنت اغلبها أن برنامجها السياسي يتمثل في ازالة آثار الانقاذ خلال العقدين الماضيين.

والأهم من ذلك،هو أن المرحلة القادمة ستكون حقبة قرارات سياسية حاسمة في موضوع الجنوب ودارفور،أكثر منها فترة للخطط التنموية والاقتصادية أو البناء عموما. فالحكومة القادمة مطالبة بمنع التفكك أولا، وهذه ليست مهمة يقوم بها التكنوقراط.

وقد يكون هدف المقترح مثاليا،يرمي إلى ابعاد السياسيين مؤقتا عن الصراعات المباشرة وأن يكونوا مراقبين أو بلغة كريمة أكثر،أن يصبحوا حكماء البلاد ويرتفعوا عن الصغائر ويدركوا حجم المخاطر.

ومن ناحية أخرى يواجه اختيار التكنوقراط مشكلة ضمان أن يكونوا محايدين أو مستقلين.وهذا وضع شبه مستحيل في بلد مثل السودان، شديد التسييس والتحزب. ومازلنا نذكر تجربة الحكومة الانتقالية التي اعقبت انتفاضة ابريل1985، فقد اكتشف السودانيون أن أغلبهم منتمون حزبيا أو غواصات كما اسموهم. يجب على السودانيين عدم التعامل مع فكرة الحكومة القومية أو البرنامج القومي بعدم جدية في الفترة القادمة.

والأخطر من ذلك التعامل معه كمناورة حزبية فقط. هذه الفترة هي الاختبار الحقيقي واظنه الاخير لقدرتنا علي معالجة القضايا القومية والمصيرية ببعد نظر وتجرد. وهذه صفات افتقدناها منذ الاستقلال، فقد تكاتف السودانيون ونسوا الخلافات والانتماءات الضيقة.ولذلك نجحوا في تحقيق استقلال نظيف بلا احلاف ولا ارتباطات ومعاهدات خارجية.

أو كما وصفه الزعيم الازهري مثل صحن الصين لا شق ولا طق. ولكن سرعان ما دخل السودانيون في نفق الخلافات ولم تمض شهور على الحكومة الوطنية الأولى. وكانت هذه بداية ما درجنا على تسميتها بالدائرة الشريرة من انقلابات وانتفاضات وانتخابات وهكذا. ومن الخطأ أن نظن أن التاريخ يعيد نفسه باستمرار وأن الجرّة تسلم كل مرة.

فقد أضاع السودانيون وقتا ثمينا ولم يحصدوا غير الهشيم، ولابد لهم من الخروج عن الاستقطابات والبحث عما هو مشترك. ومن يسمع الشعارات والبرامج التي عرضت اثناء الحملة الانتخابية خلال الايام الماضية،لابد أن يستغرب ويسأل:حول ماذا يتصارع هؤلاء؟

فالكل يريد وحدة السودان والتنمية واستقلالية القرار ومزيد من الحرية...الخ. ولكن يبدو أنهم يحتاجون إلى وسيط من الخارج واتفاق مثل الطائف مثلا. وهذا وضع معيب حين تنظر هذه القيادات المجربة والمخلصة إلى الخارج لكي يخرجها من مأزقها الذي حشرت نفسها فيه. وأكرر علينا ألا نضيع فرصة الدعوة لحكومة قومية أو برنامج قومي لأي سبب.

كاتب سوداني

ssc_sudan@yahoo.com