لا تزال قضية توظيف الشباب المواطن والاستفادة من طاقاتهم بما يعود بالنفع على المجتمع وعلى أنفسهم تفرض حضورها وفرضت حضورها من خلال الكم الوفير الذي وصلنا من ردود لتفاعل القراء حول هذه القضية والتي تتطلب الوقفة تلو الأخرى من أهل الاختصاص والمسؤولين لإيجاد أنجع الحلول الكفيلة بالخروج من عنق الزجاجة بما يتعلق بمستقبل الشباب الإماراتي وحضورهم الاجتماعي على صعيد العمل والعطاء.

وكنا قد تناولنا جانبين مهمين في هذا الموضوع؛ أولهما معارض التوظيف وآلياتها وبنيتها التي تقوم عليها وسبل الارتقاء بمجهودها وما تقدمه للشباب الراغبين في الوظيفة من فرص في القطاعين العام والخاص، وأشرنا إلى حرص المسؤولين على تجويد أداء هذه المعارض وتكثيف حضورها بين يدي الشباب ليجدوا الأبواب مشرعة أمامهم لولوج سوق العمل بما يتناسب من كفاءاتهم وميولهم.

وأكدنا على ضرورة التنسيق والقراءة المتأنية لواقع الخريجين الجامعيين ومتطلبات سوق العمل بحيث يحصل التناغم بينهما في سبيل الاستفادة مما تقدمه الجامعات من مخرجات وكفاءات.

ومن زاوية أخرى سلطنا الضوء على دور بعض الشباب في صناعة بطالتهم بأيديهم، نتيجة خضوعهم لضغوطات نفسية اجتماعية تحجبهم عن الكثير من أبواب العمل لدواعٍ لا ترقى إلى أن تكون أسباباً قابلة للنقاش في كثير من الأحيان.

اليوم نشير إلى مسألة مهمة تتعلق بإعداد الشباب لاتخاذ قراراتهم الحياتية فيما يتعلق بالمستقبل، وهل وصل هذا الإعداد إلى المستوى الذي يستطيع الشاب اتخاذ قراره بالالتحاق بالعمل أو ذاك والإقبال أو الإحجام عن قناعة وبصيرة وحسن دراية بالإيجابيات والسلبيات المحيطة بالفرصة المتاحة أمامه؟

لا نريد التعميم، لكن الظاهر أن كثيراً من شبابنا لا يملكون من قريب أو بعيد المهارة التي تمكنهم من موازنة الفرص المتاحة أمامهم، حتى إن بعضهم قد يُصاب بالإحباط أمام أقل الخيارات ويرتضي الهروب بدواعٍ هلامية مخافة الوقوع في تبعات تحمل أي قرار مصيري حياتي يتخذه.

هذه القضية من وجهة نظري لها من الأهمية ما لجميع الأدوات الأخرى التي تسعى إلى تذليل العقبات أمام توظيف الشباب والهروب من شبح البطالة، بل ربما تكون من أولى الأولويات في هذا الشأن، لأنها تقوم على برمجة آليات صناعة القرار عند الشباب، وحسن اتخاذه، والإيمان بنتائجه وعواقبه وتحمل تبعاته.

ولا شك أن التخطيط لترسيخ هذه المهارة وتأصيلها في نفوس الشباب كمبدأ حياة لا بد أن يبدأ من المراحل الأولى لحياة الطفل والارتقاء بها رويداً رويداً مع تقدم الشاب في العمر حتى تؤتي أكلها حين تصل إلى الغاية التي أنيطت بها وهي صناعة المستقبل الذي ينتظر الشاب ودوره في هذه الحياة.

مع الحرص الدائم على زرعها في نفوس الجيل حتى تغدو بديهية لا تقبل المساومة والمراوغة بحيث تتنامى يوماً بعد يوم لتكون عوناً كبيراً في ترجمة الشخصية الرائدة المتميزة، وأهل الاختصاص حين يتعرضون لهذه المسألة بالتعريف يقررون أن لب صناعة القرارات يقوم على التعرف إلى البدائل المتاحة لاختيار الأنسب بعد التأمل بمتطلبات الموقف وفي حدود الوقت المتاح.

فهو أولاً التعرف إلى الخيارات والبدائل، ثم الوصول إلى الخيار الأمثل من خلال التأمل وحسب الظروف المحيطة وحسب متطلبات الموقف، وفي حدود الزمن المتاح، لأن الزمن أحياناً يكون له أثر حاسم في اتخاذ القرار، فالفرصة لا تتكرر والزمن لا ينتظر.

ومن المعلوم أن اتخاذ القرار لا يكتسب بالتعليم وحده وإنما يأتي أكثره من الممارسة والتجربة، ولذلك قلنا إن جذور تطوير هذه المهارة تبدأ مع الطفل وتعليمه فصل الرأي في قضاياه الخاصة الصغيرة كاختيار لونه المفضل أو لباسه ضمن حدود اللائق اجتماعياً ليتعلم بناء قراراته مستقبلاً.

لأن هذه المهارة لا يكفي لها قراءة كتاب أو الالتحاق بمحاضرة، بل تقوم على التجربة المتكررة التي تؤدي إلى الخبرة، وقبل ذلك ومع ذلك لا بد من الحرص على زرع الثقة في نفوس الشباب بأنهم قادرون على بناء حياتهم بأنفسهم وأن قراراتهم التي يتخذونها هي محط احترام وتقدير.

وأن مجرد محاولتهم البحث في الواقع وسبر إيجابياته وسلبياته قدر المستطاع والنظر في المستقبل وما قد يحمله من أحداث، هو شيء محمود يحسب درجة في سلم بناء الشخصية.

وليتذكر شبابنا أن لا مكان مع اتخاذ القرارات الحياتية للمجاملات أو التردد أو التسرع والانجرار وراء سيل العواطف مهما كان منشؤها.

مديرة تحرير مجلة «بنت الخليج»

noraalswidi@yahoo.com