واجب على كل بلد ذي سيادة أن يرسم لنفسه استراتيجية متكاملة الأبعاد للدفاع عن مكوّناته ومبررات وجوده، وأبرزها ما يرتبط بصيانة الاستقلال والسيادة، وكذا حقوق الشعب وممتلكاته ومقدّساته.

وفي هذا السياق تتقدّم الاستراتيجية الدفاعية ذات الطابع العسكري البحت على غيرها من أساليب حماية الوطن، دون أن نغفل بالطبع أهمية الأساليب والتكتيكات الأخرى المتفرّعة ضمن خطط اقتصادية وصحية وغير ذلك.

وهنا تبرز أهمية التنسيق المطلوب توافره بين مؤسسات الدولة وفئات المجتمع بأغلب تشكيلاته، لكي يتحقّق التناغم الفاعل الذي يؤدي تالياً إلى النتيجة المرجوة.. توفير الحماية وتحقيق النتائج بأقل الخسائر الممكنة.

وإذا سلّمنا جدلاً بأن هذا التكتيك يعتبر بمثابة تحصيل حاصل في الدول الكبيرة ذات الإمكانات الضخمة، فإنه يجب أن يكون من الأمور الأساسية أيضاً بالنسبة للدول الصغيرة، لا سيما تلك التي تتمتّع بإمكانات ضئيلة في ما يخص العتاد والسلاح، ولايزال أفقها السلمي مرهوناً بسلسلة من الأبعاد والمعطيات الإقليمية والدولية، الخارجة كلّياً عن دائرة تأثيرها الذاتي.

وهذا ينطبق حتماً على لبنان الذي شاءت ظروفه أن يوجد فوق تقاطع طرق فريد في ما يخص سعيه المخلص لتوفير عناصر الحماية الذاتية، لكن دون أن يكون قادراً حتى الساعة على توفير التضامن المطلوب بين فئات المجتمع على اختلاف أطيافها.

إن الحوار الوطني القائم في لبنان حالياً يعتبر خطوة في الطريق الصحيح، رغم ترافقه مع بعض الشوائب التي قد تكون غير مقصودة. فالحوار يمثل أداة ديمقراطية حقيقية وممارسة راقية إذا تم توجيهه بالشكل المناسب، وكذلك إذا تمكّن القائمون عليه من إيصال جوهره إلى أوسع قطاعات الشعب.

وهذا، حتى الآن، ما تبيّن أن رئيس الجمهورية اللبنانية يسعى لتحقيقه، رغم الملاحظات التي قد تتوافر عند البعض بخصوص أسباب غياب أو تغييب بعض الجهات عن طاولة الحوار، لاسيما تلك التي شكّلت في مرحلة مضت أحد أهم ركائز المقاومة المسلّحة ضد الاحتلال.

وهنا قد يستخدم ذلك «البعض» تبريرات منطقية لإبراز استيائه من عملية تهميشه، باعتبار أن ما تجري مناقشته على طاولة الحوار حالياً هي مسألة الاستراتيجية الدفاعية المفترض توفرها لصيانة الوطن وحمايته من المخاطر العسكرية الخارجية، الإسرائيلية تحديداً، وبالتالي لا يجب تغييب من شارك في إطلاق وصيانة مشروع المقاومة منذ اللحظات الأولى.

وهنا لا أتحدث عن أبعاد إيديولوجية من أي نوع، لأن البعد الذي من المفترض أن يوحّد جميع الأطياف المجتمعة حول الطاولة هو البعد الوطني الجامع، المتحرر من أية اعتبارات عائلية أو مذهبية أو مناطقية.

لقد قطعت عملية الحوار الوطني في لبنان شوطاً لا بأس به في ما يخص عملية تسجيل بعض المواقف الهادفة لتحقيق ثوابت معيّنة تطمح لكسبها الأطراف المشاركة. وقد يُفهم ما جرى مؤخراً بأنه عامل تعقيد لا تسهيل في مقاربة الأمور المطروحة، إلا أنه شكّل حسب رأيي خطوة إلى الأمام في ما يخص نقل النقاش إلى أبعاد أكثر جدّية.

وما المواقف الصارمة التي صدرت عن ممثلي بعض القوى (حزب الله والتيار الوطني الحر من جهة والقوات اللبنانية من جهة أخرى)، إلا مثال واضح عن المستوى الذي وصلت إليه الأمور في ما يخص طريقة طرح المصطلحات والملفات وما شابه، حيث بات مطلوباً التعامل مع الشأن الدفاعي، أي موضوع النقاش الأساسي، من منطلق استراتيجي حقيقي يتناسق وحجم التهديدات الماثلة، بدلًا من إدخاله في مهاترات ونزاعات صغيرة سئم منها الناس.

لكن هذا لا يعني حتماً أننا سنشهد قريباً ولادة أحكام بنود الاستراتيجية الدفاعية المنشودة. فأفق الخلاف كبير ومتفرع ولايزال عالقاً عند تفسيرات كثيرة تنطلق حتى الآن من البعد الإيديولوجي، وحتى المذهبي، لبعض الأطراف.

وهذا قد يسهم بتفاقم الأمور في المستقبل إن لم يتم تداركها بالشكل المطلوب من قبل رئيس الجمهورية الذي سيكون مدعواً لإتقان عملية إدارة النقاش كما أحسن حتى الساعة.

وبالتأكيد لن نطلب من فخامته تذليل العقبات الإيديولوجية التي ستبقى قائمة إلى ما شاء الله، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الأطراف المعنية تتباين في جوهر تفكيرها بشكل كبير، دون أن تكون قادرة، حتى الآن على الأقل، على التقاطع عند مفترقات أساسية ماثلة أمامنا بشكل صارخ مثل الوضع الإقليمي الحساس وما يتفرع عنه من التزامات أمنية وعسكرية مباشرة.

الشيء الآخر الذي يكتسب خطورة واضحة في سياق الحوار القائم هو سعي البعض لاستعادة نفس الديباجة التي تسببت في وقت مضى برسم حدود خطيرة ومدمّرة بين أبناء الوطن، لا سيما تلك التي يتم على أساسها تقسيم اللبنانيين بين «وطنيين» و«خونة».

فقد سبق لهذه التقسيمات الفريدة أن ساهمت في رفع درجات التوتر إلى ما لا تحمد عقباه، ولا نريد لأي كان أن يستعيد تلك التجارب المؤلمة وأن يسمح لنفسه بوضع ترتيبات اجتماعية أو وطنية على قياس تفكيره الذاتي.

وإذا كانت طاولة الحوار الوطني تجمع أطيافاً مختلفة من نسيج المجتمع اللبناني، فإن الهدف الأساسي الذي يبقى ماثلًا يتمثّل بالسعي للتوفيق بين الآراء دون أن يعني ذلك توحيدها بشكل كامل، ولتقريب وجهات النظر دون أن يعني ذلك إحداث تغيير جذري في التفكير الإيديولوجي للأطراف المعنية.

فهذا لم يحدث طوال السنين العجاف الذي عصفت بلبنان، ولا أظن أنه سيحدث اليوم من خلال طاولة الحوار الوطني.

يبقى أن نأمل بأن يتوافق اللبنانيون على المبادئ الأولية والأساسية لاستراتيجيتهم الدفاعية.. قبل أن يفاجؤوا بمغامرة إسرائيلية جديدة.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz