في الحملة الغربية التي تقودها الإدارة الأمريكية على العالمين العربي والإسلامي تُستخدم الأسلحة المختلفة. حتى الآن استُخدمت الأسلحة التقليدية بشكل واسع والأسلحة الفسفورية المحرمة دولياً ضد المدنيين. هنالك تهديد باستخدام الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية، إذا ما دعت الضرورة.

ثمة هنالك سلاح يُستخدم بشكل موسع وأكثر خطراً ودهماً ونجاعةً ألا وهو سلاح الحرب النفسية، واستخدام «القنابل الإعلامية»، الخفيفة والثقيلة والذكية. القنابل الإعلامية الموجهة قادرة على الوصول إلى كافة الأدمغة المستهدَفة.

الهدف النهائي هو الشخصية والهوية والدين والعادات والتقاليد والقيم والمبادئ والثوابت. التاريخ والرموز الكبيرة والحضارة والمستقبل، باتت جميعاً في مرمى السلاح الإعلامي «الفكري». سلاح يستخدم الإشاعة والكذب والتضليل كأساليب للنيل من عقول وذقون ولحى الآخرين.

تضم الأجواء الإعلامية العربية مجموعة لا حصر لها من القنوات الفضائية، وبمختلف اللغات. فضائيات قديمة عريقة ومتوسطة القدم في العراقة وثمة حديثة وجديدة ومستجدة. بات هنالك فراغ واسع ينتظر المديرين والمخرجين والموزعين للبرامج والمسلسلات والنشرات الإخبارية.

فراغ هائل يضطر البعض لمحاولة ملئه بمادة فكرية دسمة، ما أمكن ذلك. هذا ما يؤدي إلى طرح أفكار نشاز ذوات نزعة عدوانية ومحمومة مسمومة، لروح وحضارة وتاريخ وكيان الأمة. يجري ذلك تحت مقولة احترام الرأي الآخر؛ شعار حق أُريد منه باطل وبمكر بيّن لكل ذي حِجر.

المتابع لبرامج هذه الفضائيات، حتى العريقة «الأصيلة» منها، يرى نمطاً معيناً. يُؤتى بضيف برنامج لئيم حاقد طائفياً أو عرقياً أو دينياً. ضيف ينبعث اللؤم والحقد من دماغه ووجهه وعينيه ولسانه وشفتيه. يبدأ بكيل التهم جزافاً ضد الأمة ومبادئها وثوابتها ورموزها الكبيرة، قديماً وحديثاً.

يغيب ذلك الضيف وقتاً لا بأس به، يأخذ استراحةً!. بعد فترة «خَبْوِهِ في ذاكرة المشاهدين والمستمعين»، يعود ذلك الكاتب يطل من جديد على الجمهور. يكرر القدح بالأمة ورموزها. هذه المرة كما لو كان ذئباً جائعاً يقود قطيعاً من الغنم، يود إهلاكها على مذابح «الحرية والتقدم والتطور والتنوير» المنشودة.

لكن أصحاب الفكر «العصري والتنويري» الحديث لم يساعدوا الأجيال على إنتاج أي شيء يغني عن الاعتماد الكلي المطلق على الخارج.

يمعن هؤلاء «المنظّرون المكابرون» بالزعم والتبجح بأن الخطأ هذا ليس من صنع أيديهم وإنتاج منهجيتهم. يزعمون أن الخلل كامن في ماضي وتاريخ وحضارة الأمة المرتكزة على العادات والتقاليد والقيم السامية النبيلة.

حقيقةً واقعةً فإن معظم الأصوات التي تنعق وتحرض أجيال الأمة على نبذ ذاتها نسيت هذه أو تناست أوطانها وشعوبها ومشاكلها، وركبت موجة القوى الخارجية المضادة. طبيب، عالم، مفكر، أو مهندس يحصل للتو على شهادة جامعية سرعان ما يختار «الرقص» مع جوقة الطرف الآخر وركوب موجته. يستقوي بالآخر لإثبات وجوده على بني قومه.

يلبس لباسهم ويأكل طعامهم وينتهج طرقهم في العيش. يتصرف كما لو كان منهم وإليهم، بزعم توخيه الرقي والحضارة والازدهار!.

بسبب الدعم المادي والمعنوي المغري المتوفر، أصبحت النزعة الغوغائية الذاتية ضد الأمة وحضارتها ورموزها مثل موضة حديثة. هذه النزعة تهب على عقول القائمين على الفضائيات الناطقة بالعربية. «ناطقة بالعربية» مهمتها التعبير حقيقة عن الرأي الآخر المضاد، التوجّه ب«استباحة وجلد الذات» يعصف بالفكر الأصيل عن طريق هؤلاء المتسلقين.

لم يبق لدى هؤلاء المتسلقين «على صروح المجد الكاذب»، ومن جر جرهم، وقت كاف للتفكير الجدي الواقعي في شئونهم. ركنوا إلى وعود الرأي الآخر لينتقلوا من عصور البداوة والرعي والتخلف إلى عصر التقدم في تكنولوجيا نقل واستقبال المعلومات، لا التفكير المستقل بتطبيقاتها وتطويرها.

جماعياً حاشداً تلاهوا في متابعة ما يُستجد من مخرجي البرامج وأفواه المذيعين وضيوفهم. لا يتورعون عن بث مادة فكرية تطعن بالأمة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. يتبعون في ذلك أساليب الروايات التاريخية المشوِّهة، التي عفا عليها الزمن وسطعت على قبورها الحقائق الساطعة الثابتة.

الصياح والزعيق والنقيق والنعيق على حال الأمة لا يسمن صاحبه، بل لا يغني من جوع. خاصة إذا ما كان ذلك الناعق من النوع الذي لا يشبع مالاً، ولا يقنع جاهاً. الناعقون يصورون الوضع كما لو كانوا في ميدان لسباق الخيول أو الكلاب أو صراع الديكة أو حتى قتال الساموراي اليابانية. يتخذون من الهذيان والمزايدة والمكابرة وسيلة للكسب والإثراء.

على ذلك الصوت الناعق عالياً أن يكون أولاً ناجحاً في عمله، أو بيته أو مجتمعه أو دولته، عدا عن طائفته!. لا أن يهرب إلى دولة معادية، يتمترس أو يتخندق بين جيوشها الغازية، ثم يبدأ من هناك بالصراخ في وجوه أبناء الأمة.

جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.au.ae