لاشك أن مخاطر انفجار نزاعات مسلحة فى منطقة الفراغ السوفييتي السابق مازالت قائمة. ذلك أن المجتمع المعاصر وبعد التغييرات العميقة التى شهدها العالم خلال التسعينيات من القرن الماضي لم يتوصل إلى آليات محددة لحصار أو تصفية النزاعات المسلحة. كما أن مجلس الأمن بدأ يفقد تأثيره بعد أن أصبحت قراراته لا تتجاوب مع مصالح ضحايا هذه النزاعات.

وإنما تتعامل فقط مع مصالح القوات العسكرية التى تؤثر على ميزان القوى. لذا يتنامى الاعتقاد فى الأوساط العسكرية داخل رابطة الدول المستقلة بأن السنوات القادمة يمكن أن تشهد نزاعات مسلحة دامية يصعب التعامل معها، ما لم تتوصل الدول الأعضاء فى الرابطة لآليات جديدة تضمن مصالح مختلف القوميات والبلدان. وذلك بصرف النظر عن حجمها أو تأثيرها على موازين القوى الإقليمية.

وإذا أردنا أن نقوم برصد سريع للنزاعات المسلحة التى تفجرت خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فسنجد أن منطقة القوقاز كانت الإقليم الأكثر سخونة في هذا الإطار ليس فقط بسبب تصاعد التوتر بين روسيا وجورجيا وحرب عام 2008 التى تفجرت على حدود آسيتيا الجنوبية.

وإنما ايضا بسبب وجود أزمة أقليم ناجورني قره باخ بين أذربيجان وأرمينيا دون حلول واضحة. اضافة لأزمات شمال القوقاز التي تنذر بانفجار صدامات مسلحة خلال الشهور القادمة، وتحديدا ستنطلق من إقليم داغستان الذي يتمتع بالحكم الذاتي في إطار السيادة الروسية.

ومن الواضح أن سياسة الناتو الساعية للتوسع شرقا، تشكل أحد عوامل التفجير لهذه النزاعات، ليس فقط لأنها تسير نحو مناطق كانت تنتمي لتركيبة سياسية واقتصادية واجتماعية موحدة ومتناسقة فقط، وانما لأنها تفرض حصارا يهدد أمن روسيا.

وإذا كانت النخب الحاكمة في بعض دول الفراغ السوفييتي السابق، والذي تحول إلى رابطة الدول المستقلة تتجاوب مع توجهات الناتو والدول الغربية، انطلاقاً من مصالحها فى الدخول إلى السوق الرأسمالي العالمي بحصص أفضل مما لديها الآن، وهو حلم صعب المنال حتى في ظل انصياعها الكامل لإرادة الغرب.

فإن النخب المالية والاقتصادية في هذه الدول والتي ترتبط مصالحها مع روسيا تعارض بشدة الإخلال بالتوازن الذي يهدد مصالح شريكها الروسي وبالتالي يهدد مصالحها. ما يخلق حالة مستمرة من الاضطرابات ويؤدي لنشوب النزاعات المسلحة.

ولعلنا نلاحظ أن مناطق هذه النزاعات تتمركز في إقليم القوقاز وبالقرب من منابع الطاقة في حوض بحر قزوين، وتتفجر على مدار طرق نقل الطاقة عبر شمال القوقاز.

ما يعني أن النزاعات المسلحة المتأججة في مناطق القوقاز ترتبط بشكل مباشر مع الصراع على احتكار مصادر الطاقة. أي أن هذه الصراعات في جوهرها تتشابه مع حرب العراق، وتختلف عنها في أن النفوذ الروسي يشكل الثقل الأساسي في القوقاز ووسط آسيا، وتسعى الأوساط الغربية لإزاحة هذا النفوذ أو تقليص تأثيره، لتتمكن من السيطرة على منابع الطاقة.

وسنجد أن مناطق جنوب القوقاز التي تضم جورجيا وآسيتيا الجنوبية وابخازيا، إضافة إلى أذربيجان وأرمينيا، مازالت تعاني من تصاعد حدة التوتر التي تهدد باشتعال حرب ثانية، بسبب مساعي المراكز العسكرية الغربية وحلف الناتو لإيجاد موقع لقوات غربية في المنطقة.

ويرتبط هذا المشروع مع مخططات واشنطن وبرنامجها الخاص بحراسة بحر قزوين.اذ تعتبر واشنطن أنها منطقة ملائمة لنشر قوات المارينز. ويشمل البرنامج الأميركي أيضاً إنشاء مقر للقيادة مجهز بمحطات رادار حديثة في المنطقة، إضافة لنشر منظومة لمراقبة المجال الجوي والبحري.

لذا بدأت الولايات المتحدة في إعداد القوات الجورجية وتجهيز الموقع. إلا أن حرب اغسطس 2008 التي مكنت روسيا من نشر قواتها في جنوب القوقاز أسفرت عن فشل واشنطن في تنفيذ خطتها. بل إنها أصبحت مهددة بفقدان قاعدتها الجوية في قرغيزيا بعد تفجر أحداث الاحتجاج الجماهيري.

فشل الغرب في إزاحة النفوذ الروسي، أو على الأقل التواجد عسكريا بالقرب من منابع الطاقة وتنفيذ مشروعات ربط هذه المنابع بالأسواق الأوروبية بشكل مباشر خارج الأراضي الروسية.

يمكن أن يقود لتصعيد التوتر والصدام من جديد في المنطقة. خاصة النخب السياسية الحاكمة في دول هذه المنطقة مرتبطة بخطط الغرب، وترى فيها السبيل لإنقاذها من أزماتها المتواصلة.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail