حققت إندونيسيا نمواً اقتصادياً مطرداً خلال العقود الماضية، وأسهمت مجموعة من العوامل الخارجية والداخلية في تحقيق هذا النمو.
من العوامل الخارجية ، بعد انتصار الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية وبروزها كعملاق على الساحة الدولية عملت على تعزيز ربط آسيا بالعالم من خلال استقطابها دول جنوب شرق آسيا بهدف محاربة الاتحاد السوفييتي والمد الشيوعي في جنوب آسيا، حينما استفادت إندونيسيا من المساعدات المالية الأميركية للمنطقة إبان الحرب الكورية،وحرب فيتنام .
كما لعبت اليابان دوراً رئيساً في تحويل جزء من استثماراتها إلى إندونيسيا للاستفادة من قرب المكان ورخص اليد العاملة،وكذلك التسهيلات التي وجدتها هناك بالمقارنة بالصعاب التي تواجهها في أوروبا و الولايات المتحدة .
أما العوامل الداخلية ، يمكن حصرها على النحو الآتي:استفادت إندونيسيا من اليد العاملة الرخيصة، التي كانت المحرك الرئيس في بناء اقتصاد إنتاجي تصديري برعاية أميركية ويابانية،كما اعتمدت إندونيسيا في نموها بالدرجة الرئيسة على زيادة الصادرات في تحريك عجلة الاقتصاد.
على الرغم من الأزمة الاقتصادية العالمية التي ضرب جاراتها ماليزيا و سنغافورة وتايلاند، ظلت اندونيسيا في طور النمو(+4،5 )في سنة 2009، في حين انه قبل عشر سنوات أي في سنة1998، ضربت الأزمة الآسيوية إندونيسيا في الصميم ،إذ هبط الناتج المحلي الإجمالي بنحو 12%.
وقد استخلصت إندونيسيا الدرس من تلك الأزمة ،وهاهي البلاد ليس فحسب أنها اجتازت الأزمة العالمية سنة 2008بنجاح ، بل إنها خرجت أقوى من ذي قبل . فمع وجود دين عام محدود بنسبة 31% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 120% في سنة 1998، فإن إندونيسيا تلقت شهادة جيدة من قبل وكالة فيتش (ب ب+) منذ إحدى عشرة سنة.
فالنهضة التي حققتها إندونيسيا- هذا البلد الإسلامي العملاق الذي يبلغ تعداد سكانه 237 مليون نسمة ؟ تعتبر مثالية. إنها ليست نهضة اقتصادية فحسب ، بل كذلك سياسية: فالديمقراطية توطدت في البلاد ، و الصحافة تتمتع بقدر كبير من الحرية ، أفضل من أي مكان في دول المنطقة.
على الرغم من النجاح الاقتصادي الذي حققته إندونيسيا ، فإن عدم المساواة لا يزال قائما ، فهناك 18% من الإندونيسيين يعيشون في ظل الفقر المطلق، بأقل من دولار واحد في اليوم . ولا يصل الكهرباء سوى لنحو 60% من السكان .
وتعتبر إندونيسيا من أكثر البلدان الآسيوية فساداً، والفساد يعود إلى أن النظام السياسي السابق كله ، أي في عهد سوهارتو كان يقوم على حكم الفرد المطلق، أي الاستبدادي بطبيعته، في ظل غياب كامل للمؤسسات، والمحاسبة، والقانون.
الفساد والرشوة والمحسوبية والسرقة، سمات رئيسية متأصلة في النظام السياسي الإندونيسي، ولاسيما لدى أبناء سوهارتو الستة الذين راكموا ثروات فاحشة بطرق غير مشروعة. وتعتبر عائلة سوهارتو واحدة من أغنى العائلات في العالم، إذ تتراوح ثروتها ما بين 20 و40 مليار دولار.
وقد أسهمت الصحافة الخاصة المستقلة ، في التنديد بفضائح الفساد ، و تعرية هذا الجرح الوطني. يشهد على ذلك قضية «سونتري بنك» الذي أنقذته الدولة من الإفلاس في نهاية سنة 2008.
فبعد إعادة انتخابه للمرة الثانية كرئيس لإندونيسيا في أكتوبر 2009، تعرض الرئيس الإندونيسي سوسيلو بامبانغ يودويونو، ووزيرة المالية الاقتصادية الموهوبة موليان إندرواتي .
و نائب الرئيس وحاكم المصرف المركزي السابق بوإيديونو، لحملة من الانتقادات من جانب المعارضة و البرلمان، بسبب ضخ 700 مليون من المال العام من أجل إخراج البنك المذكور أعلاه من أزمته ، وهومبلغ يزيد عشر مرات من المبلغ المقرر في البداية.
وبينما كانت الفوارق الاجتماعية والطبقية تزداد عمقاً وهوة في البلاد، كان أولاد سوهارتو يبنون إمبراطورية مالية بتحكمهم بـ 75 من اقتصاد اندونيسيا بما فيها المصارف التي تعاقدت على ديون خارجية تفوق 140 مليار دولار.
وهي في معظمها قصيرة الأجل، إلا أن أبناء الرئيس وحاشيته وعملاءه يرفضون تسديد هذه الديون ويمضون باتجاه تحميل الشعب عبئاً دفعه من حياته اليومية قيمة الفاتورة المالية التي سرقها الأمراء في وضح النهار.
كاتب تونسي