ما بين حادثة المدرس الأوروبي الذي أنهى مجلس أبوظبي للتعليم خدماته الأسبوع الماضي لخروجه على منظومة القيم التربوية التي حددها المجلس للعاملين به كما جاء في الخبر، وحادثة الدبلوماسي القطري الذي تسبب في إثارة اضطراب على متن طائرة الركاب الأميركية التي كانت متجهة من واشنطن إلى دينفر يوم السابع من إبريل الجاري خيط رفيع علينا أن ندقق فيه النظر، حتى لو بدت الحادثتان غير مرتبطتين لاختلاف طبيعة عمل مرتكبيهما وموقعيهما وطبيعة الظروف التي أحاطت بكل منهما.

في الحادثة الأولى اقترب المدرس الأوروبي كثيراً من قضية في منتهى الحساسية لدى المسلمين عندما بدرت منه ألفاظ تسيء إلى العقيدة الإسلامية، حيث صور مناسك الطواف حول الكعبة المشرفة بأنها نموذج لعبادة الأصنام، ووصف بعض الطلبة الذين يدرّسهم اللغة الإنجليزية بـ «الإرهابيين»، إضافة إلى أوصاف أخرى قال الخبر إنها تخرج عن دائرة القيم والأخلاق الحميدة.

وفي الحادثة الثانية اقترب الدبلوماسي القطري كثيراً من قضية هي الأخرى في منتهى الحساسية لدى الأميركيين، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، عندما اشتبه رجل أمن على متن الطائرة في أنه كان يشعل متفجرات في حذائه وتبين أنه كان يحاول أن يدخن سيجارة في المرحاض.

ثم أبدى تعليقاً غير مناسب لدى استجوابه من قبل طاقم الطائرة، أشار فيه إلى حادثة تفجير الحذاء التي أقدم عليها البريطاني «ريتشارد ريد» عام 2001 أثناء رحلة لشركة «أمريكان إيرلاينز» بين باريس وميامي، الأمر الذي أدى إلى تعامل طاقم الأمن مع الدبلوماسي القطري بعنف، وإلقائه على أرض الطائرة لتقييد حركته.

في تداعيات الحادثة الأولى قام مجلس أبوظبي للتعليم بالتحقيق مع المدرس خلال 48 ساعة من وصول تقرير مدير المدرسة التي يعمل بها، وواجه المجلس بشجاعة وشفافية الخطأ الذي ارتكبه المدرس فأنهى خدماته.

وفي تداعيات الحادثة الثانية أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنه سيتم ترحيل الدبلوماسي القطري بموجب اتفاق بين واشنطن والدوحة لتسوية القضية، في الوقت الذي تطورت فيه الحادثة وأخذت أبعاداً متفاوتة في الصحف الأميركية، وأثارت انقساماً في أوساط الأميركيين بين مؤيد ومعارض لمطالبة قطر بدفع تعويضات للولايات المتحدة نظراً لحالة الذعر التي سببها الحادث.

حيث تم استدعاء مقاتلتين من طراز إف ؟ 16 حلقتا حول الطائرة خشية تعرضها لعملية إرهابية، كما تم تنبيه جميع الرحلات التي كانت تستعد للإقلاع من المطارات الأميركية وعددها 4900 رحلة، وقامت شركة «يونايتد إيرلاينز» بدفع تعويضات لجميع ركاب الرحلة 663 التي وقع الحادث عليها.

لن نختلف على أن كلاً من المدرس الأوروبي الذي أنهيت خدماته والدبلوماسي القطري الذي حمته حصانته من الملاحقة قد ارتكبا خطأ اعترف به المدرس، واعتبرته وزارة الخارجية القطرية خطأ فردياً ينبغي التعامل معه في إطاره المجرد وعدم تعميمه على الآخرين، ولكن ماذا لو أجرينا عملية تبادل للأدوار فافترضنا أن المدرس عربي يعمل في الولايات المتحدة الأميركية أو أوروبا، وأن الدبلوماسي غربي يعمل في دولة عربية؟

وماذا لو أن هذا المدرس العربي قام بفتح حوار مع طلبته الغربيين على غرار الحوار الذي فتحه المدرس الأوروبي مع طلبته العرب، ووجه إلى ديانتهم الاتهامات التي وجهها الأوروبي إلى ديانة الطلبة العرب، ووصف بعضهم بـ «الإرهابيين» وألحق بهم أوصافاً تخرج عن دائرة الأخلاق الحميدة كما فعل المدرس الأوروبي في أبوظبي؟

لا نعتقد أنه سوف يتم التعامل معه بالأسلوب الراقي الذي تعامل به مجلس أبوظبي للتعليم مع المدرس الأوروبي، والاكتفاء بإنهاء خدماته بعد التحقيق معه؟ كما فعل المجلس بعد اعتراف المدرس بخطئه، حيث سيُعتبَر من دعاة العنصرية ومعاداة الأديان.

وسيخضع لتحقيقات أمنية لها أول وليس لها آخر، وسيوصم بالإرهاب، وربما اعتبر عضواً من أعضاء إحدى الخلايا النائمة التي تهدد الأمن وتتحين الفرص للقيام بعملية كبرى تعيد للأذهان أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وعندها سيصبح إنهاء الخدمات والإبعاد أمنية عزيزة لهذا المدرس العربي الذي ستطول رحلته بين التحقيقات ومكاتب الأمن والاستخبارات قبل أن يكون مقره أحد السجون، حيث لا يجدي اعتذار ولا اعتراف بالخطأ.

هذا ما سيحدث للمدرس العربي الذي سنفترض أن سوء حظه أو تصرفه أوقعاه في موقف المدرس الأوروبي، أما الدبلوماسي الغربي الذي سنفترض أن خفة دمه، وعوامل أخرى متوفرة على متن الطائرات تقدَّم مجاناً لركاب الدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال، دفعته إلى محاولة إشعال سيجارة في حمام الطائرة وإتباعها بمداعبة خفيفة.

فلا نعتقد أنه سيعامل بالعنف نفسه الذي تعامل به طاقم الطائرة الأميركية مع الدبلوماسي القطري، ولن يجد بالطبع نفسه مطروحاً على أرض الطائرة مشلول الحركة بسبب دعابة مثل هذه، ولن تجد الطائرة نفسها محاطة بمقاتلات عسكرية من أي نوع، ولن يجرؤ أحد على ترحيله من البلد العربي الذي يعمل به إلا في الوقت الذي تريده دولته وتختاره هي لا نحن.

ربما تجدون لهذه الفرضية، التي لها من الواقع شواهد عديدة، تعليقات من نوع «الكيل بمكيالين» التي نرددها كثيراً في مثل هذه المواقف، أو تختارون لها تعبيراً من التعبيرات التي أضيفت لقاموسنا اللغوي مؤخراً وأصبحت شائعة الاستخدام بيننا رغم أنها عديمة الجدوى.

لكن الواقع يفرض نفسه بقوة، وعلى قليل الحيلة اللجوء إلى أقرب بحر ليعبّ ما شاء من مياهه المالحة، علّها تخفف شيئاً من المرارة التي يتجرعها كل يوم.

aliobaid2000@hotmail.com