اختلاف التعليقات على مسار الانتخابات السودانية التي جرت من 11 إلى 15 إبريل الجاري يثير في نفس المتابع العربي للحدث تساؤلات كثيرة عن الغموض الشديد في الموقفين الأوروبي والأميركي من السودان ومستقبله السياسي والاقتصادي .

ذلك البلد العربي الذي أخذ يتحرر من أثقال الماضي ويداوي جراحاته التي نزفت لاكثر من ربع قرن خلال الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب والشرق والغرب ثم إذا بنا نفاجأ بتصريحات المراقبين الأوروبي والاميركي بأن الانتخابات لم ترق الى المعايير الدولية فما هي هذه المعايير الدولية المقصودة في تصريحات كل من الرئيس الاميركي الاسبق جيمي كارتر وفيرونيك دي كيسير رئيسة بعثة المراقبين الاوروبيين للانتخابات ؟

وهل ما ينطبق من هذه المعايير على ( دويلة ) من عدة آلاف من البشر داخل بقعة أقل من حجم مدينة متوسطة الحجم هو ذاته ما ينطبق على السودان الشاسع بكل أطيافه وأثنياته وتضاريسه والذي يشكل تقريبا قارة داخل قارة إفريقيا ؟

ويبدو تصريحا كارتر وفيرونيك وكأنهما صادر من فم واحد ذلك في الوقت الذي أبدى فيه الاتحاد الافريقي ارتياحه لإجراء العملية الانتخابية في السودان (بصورة سلمية) رغم المشاكل الادارية واللوجستية وهي مشاكل توضع في الحسبان أمام هذا المسطح الواسع من الأقاليم والولايات بالنظر الى تواضع الميزانية السودانية لكن المعايير يجب ان تنبني على درجة سماح حكومة السودان لكل من أراد المراقبة أن يراقب والسماح بتمديد التصويت ليومين آخرين .

كما كان الترشيح متاحا بلا أي قيود دستورية أو أمنية ومع ذلك انسحبت احزاب وقاطع مرشحون وبعد الانتخابات اعلن حزبان معارضان رفضهما للنتائج (التي لم تظهر بعد) .

فإذا ربطنا كل هذه الحيثيات مع مطالب أميركية سابقة بتأجيل الانتخابات وتصريحات سابقة ولاحقة للتشكيك في نزاهتها تتضح معالم الصورة اكثر وهي ان ثمة مخططا (صارما) لتشطير السودان الى دويلات كي يسهل على الشركات العابرة للقارات التهام ثرواتها على مهل .

إنها أول انتخابات رئاسية وتشريعية واقليمية تعددية منذ عام 1986 ان الخيار الاول والاخير هو للشعب السوداني وليس لمديري مخططات التقسيم التي تطارد كثيرا من البلدان العربية والاسلامية بإصرار غريب وكأن هناك من يريد أن تظل صورة هذه البلدان مقصورة على النواحي السلبية فقط .

أما الاتحاد الأفريقي فهو يدرك حجم الأعباء التي يمكن أن تقتضيها عملية انتخابية في بلد يعاني مشكلات لا تنتهي وهو بلد بحاجة الى تشجيع على ممارسة الديمقراطية في كل نواحي حياته وليس فقط خلال أيام التصويت فالديمقراطية ( بالمعايير الدولية) هي ديمقراطية الدول المرفهة التي سبقت في مضمار تنظيم الانتخابات بسنين عديدة اكتسبت فيها خبرات متراكمة لتلافي المشكلات اللوجستية.

ولنا ان نتخيل مسار الانتخابات الثلاثية هذه ما بين جوبا في الجنوب الى الخرطوم في الشمال فليخفف المتحاملون من تحاملهم وليشجعوا السودان وشعبه على تطوير أدواتهم في الممارسة السياسية بدلا من المواقف المسبقة والتعليقات الرنانة التي لا تقنع مراقبا عادلا للحدث التاريخي المتمثل في الانتخابات السودانية الاخيرة .