مازال الوقت الضائع في الانتظار على الصعيد الدبلوماسي الدولي والعربي وسياسة تعزيز الواقع الاحتلالي على الصعيد الإسرائيلي عنوان مشترك للمرحلة الراهنة التي بدأت مع قرار واشنطن العودة إلى الانخراط في إحياء عملية المفاوضات عبر صيغ مختلفة وتحديدا عبر المفاوضات غير المباشرة في المرحلة الأولى، ومقاومة إسرائيل الناجحة لهذه المحاولات الأميركية عبر سياسة استفزاز مدروس.
آخر فعل إسرائيل في سياسة تعزيز الوضع القائم الأمر العسكري لطرد «من هم أوضاعهم غير قانونية» من فلسطينيين على أرض فلسطين في الضفة الغربية. ماذا يعني قرار الإبعاد في دفعة أولى لحوالي خمسة وثلاثوين ألف فلسطيني:
أولا، انه يشكل خرقا فاضحا لكافة التزامات الدولة المحتلة حسب الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وإنهاء آخر ما بقي من اتفاق إعلان المبادئ (اتفاق اوسلو) الفلسطيني الإسرائيلي الذي يعتبر أيضا أن الأراضي الفلسطينية وحدة موحدة.
ثانيا، يشكل خطوة أساسية في سياسة التطهير العرقي ومحاولة إخراج اكبر عدد ممكن من الفلسطينيين من القدس والضفة الغربية عبر إجراءات مختلفة في إطار سياسة تهدف إلى تمزيق النسيج المجتمعي الفلسطيني وهي الوجه الآخر والمكمل لسياسة الاستيطان بغية تغيير التركيبة الديمغرافية للأراضي المحتلة قدر الإمكان.
ثالثا، تشكل هذه السياسة التي تتواكب مع تصريحات تأتي في صيغ تحليلية وافتراضات او سيناريوهات تسوية مستقبلية تعيد ربط الأردن بالضفة الغربية لتؤكد ما تتخوف منه الأردن عن حق أيا كانت التطمينات الكلامية التي تعطى له بمحاولات جدية لإحياء خيار الأردن هو الدولة الفلسطينية، ولو على نار خفيفة، وبشكل تدريجي عبر خلق واقع ديمغرافي سياسي ضاغط على الأردن.
رابعا، الملاحظ أن مقاربة إسرائيل في تغيير الوضع القائم تقوم على الابتعاد عن اتخاذ قرارات على مستوى سياسي رفيع في هذا الخصوص يلقي ضوءا كاشفا على مسؤولية الحكومة الإسرائيلية ويعرضها لمزيد من الإحراج والضغوط الدولية ولو غير الفاعلة حتى الآن واللجوء إلى آلية للقرارات على مستوى «تقني» منخفض عن المستوى السياسي لإغراق ذلك ضمن تركيبة إدارة عملية السلطة والمسؤولية داخليا.
فالاستيطان عبر بناء وحدات سكنية قرار «إداري بلدي» وسياسة الإبعاد قرار أيضا على مستوى «عسكري امني»، رغم ان المسؤولية تبقى دائما على مستوى القرار السياسي كسلطة احتلال.
خامسا، توقيت هذا القرار يأتي كرد تصعيدي على المطالب أو الشروط الأميركية المطروحة على إسرائيل للتجاوب معها بغية العودة إلى إطلاق المفاوضات غير المباشرة وكتأكيد إضافي على الاستمرار في سياسة تهويد القدس والضفة الغربية عبر الاستيطان من جهة وتفريغ هذه المناطق من الفلسطينيين من جهة أخرى.
فمازال الاشتباك الهادئ سمة العلاقة الأميركية الإسرائيلية الراهنة: رئيس وزراء إسرائيل يقاطع القمة النووية التي دعا إليها الرئيس أوباما في واشنطن كرسالة احتجاج على الموقف الأميركي والرئيس الأميركي يجمع عددا من مستشاري الرئيس بوش الأب والرئيس كارتر والرئيس كلينتون للتباحث والتفكير في سيناريوهات السلام في الشرق الأوسط وللإيحاء عبر تسريبات صحفية أن واشنطن تفكر جديا في بلورة مشروع سلام وأنها ستنخرط بقوة في إعادة إحياء المفاوضات عبر مشروع السلام الذي يجري التحضير له.
وفي هذا السياق يجري الحديث عن إحياء «لمقترحات كلينتون» مع تعديلات طفيفة عليها تأخذ بعين الاعتبار بعض المعطيات الجديدة.
وحقيقة الأمر أن أكثر ما يمكن أن تذهب إليه واشنطن هو بلورة أفكار تشكل مرجعية متكاملة للدبلوماسية الأميركية في القضية الفلسطينية تتواكب مع إشارات أخذت تظهر من عواصم غربية مثل باريس ومدريد حول مبادرة مشتركة أميركية أوروبية لتحريك المفاوضات.
وفي هذا الإطار قد يكون من المفيد التذكير بما طرحه زبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي للرئيس كارتر حول ضرورة قيام الرئيس الأميركي بعملية صدمة نفسية سياسية كبيرة لإحياء المفاوضات عبر ذهابه إلى كل من القدس ورام الله مع عدد من الزعماء العرب وزعماء الرباعية لطرح قضية السلام بقوة وبشكل مباشر على الإسرائيليين والفلسطينيين.
كاتب لبناني