جاءت الزيارة الأخيرة لرئيس مجلس الأمن القومي في إيران سعيد جليلي إلى العاصمة الصينية بكين، لتشير مرة جديدة بأن الموقف الصيني مازال موقفاً متمايزاً ومبتعداً عن الموقف الأمريكي بالنسبة للملف النووي الإيراني.

وهو ما أشار إليه البيان المشترك الذي عرض بين أسطره مواقف الصين الرافضة لإقرار عقوبات جديدة بحق إيران، والداعية لإبقاء منطق الحوار السياسي هو السائد في معالجة الموضوع النووي الإيراني. فالصين ومعها روسيا تفضلان ترك الأبواب مفتوحة على مصراعيها أمام الحلول السياسية بواسطة العمل الدبلوماسي،.

وهو ما دفع بالرئيس الأميركي باراك أوباما، لتفضيل الخيارات الدبلوماسية بصورة واضحة، وتركيز مبادراته الجديدة على العمل مع حلفائه من أجل اتخاذ إجراءات ما بحق إيران كبديل عن استخدام القوة، في رؤية لا يستطيع من خلالها تجاهل الدور الروسي وحتى الصيني في معالجة الموضوع الإيراني.

وبالطبع، فان الموضوع المتعلق بالملف النووي الإيراني وتباين المواقف بين بكين وواشنطن، يلخص إلى حد ما واحداً من المسائل التي تثير سعار الخلاف الناشب والمتقد بين الدولتين تحت جمر الرماد.

فالولايات المتحدة التي تحاول جاهدة إقصاء الآخرين والاستحواذ بتقرير مصير شبكة العلاقات الدولية والمصالح الإستراتيجية الخاصة بها على حساب الآخرين، تواجه الآن معارك سياسية خفية مع العديد من الأقطاب الدولية التي تبحث بدورها عن مصالحها وعن مجالها الحيوي، خصوصاً الصين وروسيا. ومن هنا فان للموقفين الروسي والصيني الأثر الكبير في لجم الاندفاع والتهور الأمريكي تجاه إيران.

وبالطبع فان خلفية الموقفين الروسي والصيني بالنسبة للموقف من الملف النووي الإيراني وبرفض العقوبات على إيران وتفضيل الخيار التفاوضي الدبلوماسي، غير بعيدة البته عن منطق الصراع الجاري تحت الرماد بين الولايات المتحدة وكلا البلدين المذكورين.

حيث ترى كل منهما بأن الولايات المتحدة لا تستهدف طهران بموضوعها النووي بمقدار ما تستهدف أيضاً ترويض المواقع المناكفة لسياستها الكونية، وحشر إيران وإضعافها وإبعادها حتى عن سلوك نهج التعاون مع روسيا في المجال النووي وفي مجال الصناعات العسكرية.

وفي مجال الاستفادة من توريدات السلاح الروسي لإيران خصوصاً أنظمة الدفاع الجوي المتطورة. وفي نهاية الامر فان الروس والصينيين يريدون إرساء وتطوير العلاقات الاقتصادية أيضاً مع إيران ولن يسهموا في فرض عقوبات مشلة بحق طهران، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الهند والبرازيل، ومعظم البلدان النامية الرئيسية الأخرى.

إضافة لذلك، فان العلاقات بين الولايات المتحدة والصين تتجه نحو مرحلة صعبة مع قيام الولايات المتحدة ببيع مجموعة من الأسلحة المتطورة ومنها طائرات حديثة وصواريخ بعيدة المدى لتايوان في تحد واضح للمطالب الوطنية الصينية التي مازالت تعتبر تايوان جزءاً لا يتجزأ من الوطن الصيني.

وتبع السلوك الأمريكي الأخير بتسلح تايوان وقوع لقاء مفتوح بين الرئيس باراك أوباما والمعارض الانفصالي الصيني الدالاي لاما، وهو ما يعتبر استفزازاً إضافيا لقادة بكين وللمشاعر الوطنية الصينية الرافضة لانفصال التيبت عن جمهورية الصين الشعبية.

في هذا السياق فان انعكاسات التردي الخفي في العلاقات الصينية الأمريكية عكس نفسه بتباطؤ العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث بات الخلاف بينهما يرتكز في جانب منه على المسألة الاقتصادية.

وهو أمر تعاظم مع شعور بكين أن الأزمة الاقتصادية العالمية التي هزت المعمورة خلال السنوات الأخيرة، أثبتت تفوق الاقتصاد الصيني وحكمة وصلاحية النظام السياسي فيها الذي يوجه بدوره دفة العملية الاقتصادية الصينية وسياسات الانفتاح المدروسة التي تبعتها بكين منذ قرابة ثلاثين عاماً.

بل وامتد شعور بكين بالراحة والاطمئنان بقناعتها أن الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة، في المنحنى الهابط، حيث تواجه الولايات المتحدة في تنافسها مع الصين نمواً متزايداً للأوجه الثلاثة للقوة الصينية وهي: القوة العسكرية، والمال، والعقل.

كاتب فلسطيني

bdwan60@aloola.sy