لا عتاب ولا لوم ولكن فقط محاولة لفهم لوغاريتمات السياسة العربية، فبعد أن أعلنت إسرائيل عن بدء سريان الأمر العسكري الجديد الذي وضع سبعين ألف فلسطيني من المقيمين بالضفة الغربية تحت التهديد بالاعتقال والترحيل بحجة أنهم متسللون إلى وطنهم من وطن آخر اسمه غزة، أو أنهم دخلوا بتصاريح إسرائيلية رفضت السلطات الصهيونية تجديدها، بعد ذلك تم الإعلان على الفور عن اجتماع طارئ لمجلس الجامعة العربية، انعقد بالفعل .
ولكن بغياب وزراء الخارجية وحضور السفراء والمندوبين في الجامعة، ليخرج علينا ببيان يدين الجريمة الإسرائيلية كالعادة، ثم ـ وهذا هو المهم ـ يطلب تفعيل قرار القمة العربية الأخيرة بوقف جميع أشكال التطبيع من إسرائيل، ثم يطلب من الفلسطينيين أن يرفضوا تنفيذ هذا القرار.
لم أفهم معنى أن «يطلب» مجلس الجامعة تفعيل قرار وقف التطبيع. فإذا كان هناك قرار للقمة فهو واجب التنفيذ دون طلب، وإذا كان الأمر معلقاً بقرارات تنفيذية فقد كان على مجلس الجامعة أن «يقرر» لا أن يكتفي ب«الطلب» الذي لا يعرف أحد لمن يوجهه، هل يوجهه ممثلو الدول إلى حكوماتهم التي قررت في القمة؟
أم يوجهون للشعوب التي ترفض من البداية وحتى النهاية كل أشكال التطبيع رغم الضغوط. ولم أفهم معنى «الطلب» من الفلسطينيين التشبث بالأرض ورفض تنفيذ القرار الإسرائيلي، وكأنهم لم يتشبثوا بأرضهم على مر السنين رغم القهر، أو كأن الأخوة في الجامعة يخلون مسؤوليتهم، فقد نددوا وشجبوا، والباقي على الله وعلى الفلسطينيين.
لا عتاب ولا لوم كما قلت، فلم يكن منتظراً في اجتماع علي هذا المستوي أن يتخذ قرارات حاسمة في مواجهة قضية كانت تستدعي ـ ومازالت ـ لقاء عاجلاً على مستوى وزراء الخارجية، ثم مشاورات سريعة بين الزعماء العرب ولو على هامش الذهاب إلى شرم الشيخ للقاء الرئيس مبارك بعد شفائه من الجراحة الدقيقة التي أجريت له.
وحيث سيكون بينهم بالتأكيد الرئيس السوري بشار الأسد في لقاء المصالحة السورية ـ المصرية، ولعل هذه المشاورات يخرج عنها مجموعة لإدارة هذه الأزمة التي يمكن أن تكون الأخطر على القضية الفلسطينية حيث تبدأ إسرائيل بالفعل في تنفيذ مخططات الترانسفير للتخلص ممن بقوا من الشعب الفلسطيني على أرض فلسطين،.
والتي يمكن أيضا أن تكون الأهم بالنسبة لنا في الحرب ضد إسرائيل وإقناع العالم كله ـ وليس العالم العربي فقط ـ بفرض المقاطعة عليها، بعد أن وضحت صورتها التي فاقت في بشاعتها صورة النظام العنصري السابق في جنوب إفريقيا الذي وقف العالم كله في مواجهته حتى سقط.
لا عتاب ولا لوم، ولكن ألم يصدر القرار الإسرائيلي منذ ستة أشهر ليدخل حيز التنفيذ قبل أيام، فأين كان المسؤولون الفلسطينيون طوال هذه الشهور؟ وعلى أي شئ كانوا يراهنون؟
بل إن هذا الوضع المهين لم ينشأ من فراغ، فقد كان الدخول إلى الضفة للفلسطينيين القادمين من قطاع غزة على الدوام لا يتم إلا بتصاريح إسرائيلية حتى بالنسبة للمسؤولين في السلطة الفلسطينية أنفسهم.
ولكن الجديد في القرار الذي صدر منذ ستة شهور أنه نقل الصلاحية في هذا الشأن من السلطات المدنية إلى السلطات العسكرية ليصبح من حق أي ضابط إسرائيلي إبعاد أي فلسطيني فوراً من الضفة بحجة أنه «أجنبي متسلل» من القطاع أو من القدس !!
الأهداف العامة للقرار الإسرائيلي ليست خافية: تقليص عدد السكان العرب في الضفة، وتكريس الانفصال بين سكان غزة والضفة، وإحكام الحصار حول القدس، وردع المواطنين الأجانب عن المشاركة في الاحتجاجات على ممارسات الاحتلال الإسرائيلي والتضامن مع الشعب الفلسطيني في محنته.
وتمهيد الأجواء لحملة ترانسفير واسعة قد لا تشمل اليوم كل السبعين ألف فلسطيني المهددين بالطرد من الضفة وفقاً للقانون الجديد، ولكنها ستفتح الباب غداً لمصير مليون وربع مليون فلسطيني داخل فلسطين 48.
والرد لابد أن يكون مقاطعة عربية شاملة، وتحرك رسمي عربي يدرك أن الموقف العربي الحاسم هو الذي يساعد إدارة أوباما على مواجهة الضغوط الصهيونية.
وهو الذي يؤكد ما تخشاه إسرائيل واللوبي المؤيد لها وهو أن تسود الرؤية التي بدأت بعض أطراف الإدارة الأميركية ( وخاصة في المؤسسة العسكرية ) تؤكد عليها وهي أن سياسة حكومة إسرائيل تضر بالمصالح الأميركية وتعرض حياة الجنود الأميركيين في المنطقة للخطر.
ثم هناك التحرك المطلوب وسط مؤسسات المجتمع المدني في أوربا وأميركا وباقي العالم من أجل دفع الاتجاهات التي بدأت تتصاعد داخل الجامعات والنقابات والاتحادات لمقاطعة إسرائيل. فهذا هو المجال الحقيقي والأساسي لهزيمة إسرائيل كما انهزم النظام العنصري في جنوب إفريقيا من قبل.
أما الأخوة المتربعون على «خوازيق» السلطة الوهمية في رام الله أو غزة، والذين لا يستطيعون عبور حاجز داخل الأرض الفلسطينية إلا بتصريح إسرائيلي، فلعلهم يدركون اليوم ـ أكثر من أي وقت مضى ـ الحصاد المر لسنوات أوسلو العقيمة، والحصاد الأكثر مرارة لسنوات قتال الإخوة الأعداء، ثم لعلهم يتأكدون (وحل الدولتين في طريقة للسقوط) أن المعركة القادمة ستكون بين حل الدولة الواحدة التي تخشاها إسرائيل.
وحل الدول الثلاث الذي يحّمل مصر مسؤولية غزة، ويحمل الأردن مسؤولية ما قد يتبقى من الضفة، ويشطب فلسطين من الخارطة، بينما البعض مازال يتحدث عن خرائط الطريق.
ومساعي التسوية، وعملية السلام، وهو يعرف جيداً أن العملية ماتت، وأن السلام قتلته إسرائيل ألف مرة، وأن مساعي التسوية بدايتها ونهايتها هي: شكر الله سعيكم !!
كاتب صحافي مصري
