مرة أخرى تطل برأسها من جديد قضية التحرش، لتهدد الصغار والكبار على حد سواء، لكن الاختلاف بين الحالة التي تناولناها في مقالة سابقة حول ما عرفه الجميع (( قضية طفل العيد ))، يكمن هذه المرة في ذئاب بشرية أفرادها من نوع آخر خانوا أمانة الرسالة وشرف المهنة وما أقسموا عليه عندما غادروا مقاعد الدراسة إلى ميدان العمل، لتأدية رسالة لا يستحقون حمل اسمها.
فالدراسة التي أجرتها الإدارة العامة للتحرّيات والمباحث الجنائية في شرطة دبي، مؤخراً، كشفت عن تورّط أطباء ومدرسين في جرائم مخلّة بالآداب تشمل التحرّش الجنسي بالمريضات، والطلبة، وخصوصاً الطالبات.
حيث أظهرت أن ( إحدى الحالات المسجّلة كانت لطبيب لديه عيادة خاصة للتجميل، وتبين أنه استغلّ طبيعة عمله ودأب على لمس مناطق حسّاسة من أجساد مريضات في أثناء وقوعهن تحت تأثير المخدّر ).
كذلك سجلت الإدارة العامة للتحرّيات والمباحث الجنائية، «جرائم تحرّش أخرى تورّط فيها أطباء وممرّضون يعملون في عيادات خاصة، لاسيما من يعملون في تخصّصَي التجميل والأسنان، لأن طبيعة المهنة تجعلهم يلامسون النساء بشكل يحرك غرائز هؤلاء الأطباء أو الممرّضين، ويدفعهم إلى ارتكاب أفعال مخلّة بالآداب، منها التحرّش وهتك العرض بالإكراه»!!
وبينت الدراسة أن هناك مدرّسين في مدارس خاصة تورّطوا في ارتكاب جرائم مخلّة ضد الطلاب، وخصوصاً الطالبات. حيث تكررت البلاغات ضد مدرسين يستغلون انفرادهم بالطلبة، من أحداث وفتيات قاصرات، ويتحرشون جنسياً بهم، سواء من خلال الإيقاع بالفتيات، أو بتحسّس مناطق معيّنة من أجسادهن!!
وسجلت الدراسة التي أعدتها شرطة دبي حول الجرائم المهنية خلال العام الماضي، ضبط 26 طبيباً على خلفية تهم مختلفة، منها التحرّش بالمرضى والإهمال وجرائم أخرى، فيما ضُبط 21 مدرساً مقابل 17 مهندساً و26 مضيفاً جوياً و18 إعلامياً وأربعة من صرّافي البنوك و13 وسيطاً جمركياً و26 شخصاً من مهن أخرى، تورّطوا في ارتكاب جرائم مختلفة.
تلك الدراسة تضعنا جميعاً أمام مسؤولياتنا في البيت أولاً، بتحصين الأبناء وتوعيتهم ومتابعتهم في الحل والترحال وعدم ترك أي ثغرة يمكن أن يتسلل منها ضعاف النفوس إليهم، فلا يعقل ترك صبية قاصر لا تعرف متطلبات طب التجميل أو الأسنان أو غيرها وهي تحت تأثير المخدر أيضاً، في عيادة بمفردها مع ذئب ينتظر مثل هذه الفرصة.
ويتوجب على وزارة الصحة وجهات الترخيص لمثل هذه العيادات التأكد من نزاهة وحسن سير وسلوك المرخص له لممارسة مهنة من أشرف المهن والرسالات الإنسانية، كذلك يتوجب متابعة تلك العيادات للتأكد من مدى التزامها بالمعايير الأخلاقية قبل متطلبات مواصفات المكان وتجهيزاته لممارسة المهنة، وعدم التهاون في أي سلوك يخل بأخلاقيات هذه الرسالة.
أما المدارس التي سجلت الدراسة حالات ليست بقليلة ( 21 مدرساً )، فيتوجب عليها تشديد الرقابة ليس على طلبتها فحسب، بل على المدرسين الذين يستغل بعضهم ؟ للأسف ؟ وجودهم بين أبنائنا في تدنيس مهنة تقدمت فيها التربية على التعليم.. فأي تربية وأي تعليم على يد هؤلاء ؟!!
لذا يتطلب من إدارات المدارس اتخاذ إجراءات رادعة بحق أي مدرس يتجاوز أخلاقيات وآداب وشرف رسالة التربية والتعليم التي يعيش تحت مظلتها، وفي المقابل تستوجب تلك الأرقام الإحصائية التي أظهرتها الدراسة، وقفة جادة وحازمة من وزارة التربية والتعليم والجهات المعنية، لاجتثاث هذه الآفة من مجتمعنا.
وفي التعقيب على نتائج الدراسة، أكدت شرطة دبي، أن الأسر تتحمل مسؤولية تعرض أبنائها، وخصوصاً الفتيات، لهذه الممارسات المخلة، مشيرة إلى أنه تم رصد توجه فتيات في سن خطرة إلى عيادات التجميل لإجراء جراحات لا تتناسب مع أعمارهن. وحذرت من خطورة انفراد الأطباء أو غيرهم بفتيات قاصرات.
مؤكدة ضرورة وجود الأم أو قريب للفتاة أثناء خضوعها للفحص، خصوصاً عند طبيب الأسنان أو جراح التجميل، كما طالبت الأسر بالوجود مع المدرسين إذا لزم الأمر استضافتهم في المنزل للدروس الخصوصية، كإجراء وقائي يمنع حدوث أي تجاوزات.
خطورة وتبعات هذه الجرائم ستتكرر في كل فرصة تلوح أمام تلك الفئة التي تخجل حتى الذئاب من الوقوع في جرائمها، فمجتمعنا تحكمه تركيبة سكانية متعددة الجنسيات والتربية والثقافات والعادات والتقاليد.
ومثل هذه الجرائم تحتاج إلى تكاتف جهود جميع فئات وأفراد المجتمع، واتخاذ التدابير الكفيلة بردع الخارجين عن القوانين والقيم والتقاليد السائدة في المجتمع الإماراتي، ورفع درجة الحرص لوقاية الأبناء من التعرض لمثل تلك الممارسات غير الأخلاقية والجرائم غير الإنسانية، التي تهدد مجتمعنا وقيمه وعاداته وتقاليده، والعمل على اقتلاع هذه الفئة من جذورها كي لا تتفاقم ويصعب علينا إيجاد الحلول لتبعاتها.
جمعية توعية ورعاية الأحداث بادرت مشكورة بالتعاون مع إدارة التوعية الأمنية في الإدارة العامة لخدمة المجتمع بشرطة دبي، وجمعية النهضة النسائية فرع حتا، بإطلاق برنامج توعوي حول مكافحة التحرش الجنسي في إطار الدور الوقائي الذي تقدمه الجمعية بهدف حماية الأسرة والأطفال من هذه الأفعال وتعريفهم وتدريبهم على كيفية التعامل مع التحديات والمخاطر التي يمكن أن يتعرضوا لها.. هذا ما ننشده من مختلف الجهات المعنية في الدولة لمعالجة أسباب المشكلة وليس نتائجها.
كاتبة إماراتية