فجأة تتحدث واشنطن عن «المبادرة العربية للسلام» وكأنها حريصة عليها. لم يسبق أن توقفت عندها أو أتت على سيرتها، إلاّ عرضاً، منذ أن وضعت على الطاولة قبل نحو ثماني سنوات. لا إدارة بوش، أبدت اهتمامها؛ ولا إدارة أوباما. كلتاهما سارت على خطى إسرائيل، التي تجاهلتها من البداية.

الآن صحت الوزيرة كلينتون على المبادرة. لكنها صحوة معطوبة. من جهة، هي تريد بقاءها في مكانها؛ من دون أن تسمع تهديدات عربية بسحبها. ومن جهة ثانية، تريدها أن تتحوّل إلى عملية تطبيع مسبق مع إسرائيل. تماماً كما تراها وتشترطها، هذه الأخيرة.

الوزيرة، في خطاب لها أمام جمهور مؤيد لإسرائيل في واشنطن، طالبت الدول العربية بالتوقف عن «التهديد بسحب المبادرة العربية». وبنبرة تنضح بالتشكيك، تقول إنه إذا كانت هذه الأخيرة «عرضاً صادقاً، كما تبدو؛ فيجب ألاّ نسمع مثل هذا التهديد، كلما حصل تراجع» في العملية.

وكأنه لا يجوز للعرب حتى التذكير بمبادرتهم؛ ولو مضى عليها دهر. بل هي تريد منهم أكثر، بحيث يعملون على «دفع هذه المبادرة بالأعمال وليس فقط بالأقوال».

وحتى تكون الرسالة على القدر الكافي من الوضوح، تقول بأن الإدارة «تتطلع إلى حوار أعمق حول تطبيق المبادرة والنتائج الملموسة التي قد تجلبها إلى شعوب المنطقة». بيت القصيد في الرسالة، أن واشنطن تريد من العرب ترجمة مبادرتهم على صورة تطبيع مسبق ومقدّم سلفاً، لإسرائيل.

ليست هي المرة الأولى. سبق لواشنطن أن اعتمدت هذا التفسير، تماشياً مع المطلب الإسرائيلي. لقبول المبادرة، على الجانب العربي إثبات حسن نيته وتقديم شهادة حسن سلوك أولاً؛ من خلال «الأعمال»: فتح الأجواء العربية أمام إسرائيل وتبادل الزيارات والاعتراف.. وغيره من بنود دفتر شروط طويل عريض.

بعد ذلك، تحدد إسرائيل ما قد تتكرم به، في المقابل إدارة أوباما، تحاول تزويغ الأنظار عن تراجعها أمام التعنت بل التحدّي الإسرائيلي. تارة تضع جزءاً من الملامة على الفلسطينيين، بزعم أنهم لا يفاوضون إلاّ بشروط. وتارة تضعها على العرب، بزعم أنهم يلوحون بسحب مبادرتهم. لكن الحقيقة لا تتغير: إسرائيل تخرّب وواشنطن تحاول حجب الشمس بالغربال.