طوال أربعة عهود من عمر البيت الأبيض الأميركي كان السعيدي نحو إقامة سلام بين العرب وإسرائيل على قمة اهتمامات الإدارات الأميركية التي تمرجحت بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي إلى أن وصل الأمر إلى باراك أوباما الذي يبدو بعد 14 شهرا في الحكم أسير أولويات أخرى تقذفه بعيدا عن هذا الملف.
في المقابل يبدو رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وهو الذي أكمل عامه الأول في الحكم قبل أسابيع متحكما في دقة توجيه الملف، وللاسف كان طوال الـ 13 شهرا الماضية يشعل فتيل الأزمات واحدا بعد الآخر.
وها هو يفرض على الفلسطينيين، ومن ورائهم العرب، أجندته. وها هو تقييم المسائل الشائكة التي اصطلح على تسميتها طوال العقدين الماضيين بـ «ملفات الحل النهائي» واحداً تلو الآخر من غير أن يلاقي غير معارضة صوتية باهتة، سواء فلسطينياً، أو عربياً، أو أوروبياً.
أما في البيت الأبيض فمعارضة باراك أوباما لسياسات نتنياهو فلا تخرج هي أيضا عن حد الظاهرة الصوتية الإعلامية. فنتنياهو ماض كالبلدوزر في توسيع المستوطنات، وتهويد القدس والمقدسات، بدءا من الحرم الإبراهيمي والحرم القدسي.
والآن في فرض معاييره ومواصفاته الخاصة بشأن من يستحقه أن يبقى ومن يجب عليه أن يرحل على الفلسطينيين، متعدياً مرحلة تعريف من هو النازح؟ ومن هو اللاجيء؟
الذين عجزت عشرات الجلسات على مائدة المفاوضات متعددة الأطراف التي تلت توقيع اتفاقات أوسلو (1993) في تعريفها حتى بات أبناء الشعب الفلسطيني في أرضهم متسللين. فمصطلح متسلل الذي نص عليه الأمر العسكري الأسرائيلي الصادر في سبتمبر 2009 ملتبس وفضفاض ويخضع في كثير من الأحايين للمزاجية.
والأمر مثير للغرابة، أن كل ما استطاع العرب فعله هو الاجتماع الخاص لمجلس الجامعة العربية والذي لم يتمخض سوى رر- وهكذا، أضّر صاحب نوبل 2009 للسلام، بسلبيته وحصاره الذي فرضه على نفسه بتحزيم محيطه بموالين أشداء لإسرائيل، بالقضية الفلسطينية وعملية السلام أكثر من أي رئيس سبقه طوال 60 عاماً..
حتى لفظت عملية السلام أنفاسها نهائياً بعد ثماني سنوات من رقودها في العناية المركزية في عهد سلفه جورج بوش الذي وعد بدولة فلسطينية في العام 2005 ثم أجّل الموعد حتى 2009، والطريف أن الموعدين كانا خارج ولايته الدستورية. والآن مع غياب، أو تغييب راعي السلام الأول، وتراجع دوْرَي الاتحاد الأوروبي واللجنة الرباعية للسلام، باتت عملية السلام تمنح إسرائيل ما تريده، وتعطيها شرعية غير محدودة كدولة استعمارية.
ولكن، على من نلقي اللوم؟ على الفلسطينيين، شعباً وقيادة؟ أم على الإدارة الأميركية الغارقة في أزمتها الاقتصادية، وملفات الرعاية الصحية، وجري العراق وأفغانستان، والملف النووي الإيراني؟ أم على العرب المتمسّكين بمبادرة بيروت 2002 التي محى الغبار حروفها طوال ثماني سنوات لم تلق خلالها أي كلمة إيجابية من طرف إسرائيل.
وعليه، لم يعد أمام القيادة الفلسطينية، إن نجا طاقمها من الأمر العسكري الإسرائيلي الذي بدأ تطبيقه يوم الثلاثاء الماضي، سوى المفاوضة على 20 في المئة من الـ 20 في المئة من أرض فلسطين التي توهمت أنها ستقيم عليها دولتها عندما قبلت باتفاق أوسلو ذي التركيبات اللغوية المطاطة.
وباتت القيادة الفلسطينية في وضع صعب لا يحسدها عليه عاقل.. فهي إن عادت إلى طاولة المفاوضات فستكون كمن ينتحر في ضوء سخط شعبي عارم على مسلسل الابتلاع الإسرائيلي للأراضي والمقدسات، وإن هي بقيت على موقفها رافضة استئناف التفاوض إلا بعد توقف الاستيطان فلن تجني شيئا.
وبعد أسبوع على ضجة «قرار المتسللين» لم نسمع تعليقاً، ولو دبلوماسياً، من واشنطن لذر الرماد في العيون يندد أو يرفض القرار العسكري (لاحظ أنه صدر عن قيادة جيش الاحتلال ووزير الدفاع).. وكأنّ القرار شأن داخلي أو هو ضمن نطاق القرارات السيادية.
والأغرب أن الأمر كاد يمر عربياً في ظل انشغال العواصم العربية في مسلسل الخلافات العراقية والسعي إلى حصار رحلات الحج السياسي إلى طهران لرسم ملامح ولادتها..
والانشغال في الفرقعات الإعلامية الإيرانية عن تطوير أجهزة الطرد المركزي. ولولا حالة الفزع الأردني من تداعيات القرار والزيارة التي قام بها الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى إلى سوريا وما رافق الحالتين من اهتمام إعلامي طفيف لطي أمر هذه النكبة الفلسطينية الجديدة في ضوء إشغال العالم بقضيتي تحطم طائرة الرئيس البولندي وقمة الأمان النووي في واشنطن.
سياسة التطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني تسير في إسرائيل وفق أجندة دقيقة، فبعد المماطلة في تطبيق الاتفاقات، سواء تلك الموقعة في وارسو أو في واي ريفر أو في طابا، والتمايل عليها بسياسات أمنية عسكرية، أو بعقوبات اقتصادية، أو جدار الفصل العنصري الذي يتلوى في الأراضي الفلسطينية كالأفعى، أو ضم المقدسات الإسلامية إلى قائمة التراث اليهودي، أو التكاثر الفطري لمشاريع الاستيطان والتهويد، جاء دور التشكيك في علاقة الفلسطيني بأرضه..
والفرض على سكان الأرض أن يأخذوا ورقة (إذن إقامة) من الحاكم العسكري للضفة الغربية تجدد على المزاج الإسرائيلي وتلغى وفقه.
