أليس من الغباء الاستمرار في الاعتقاد بإمكانية التعايش بين المشروع الصهيوني التاريخي وبين حلم قيام كيان فلسطيني؟ أليس مجافاة للعقل والمنطق الاستمرار في الاعتقاد بصوابية رد إمعان الكيان الصهيوني في مشروعه التاريخي «حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل» إلى هذه الحكومية اليمينية الإسرائيلية هذه أو تلك؟

أليس من باب العمى السياسي وربما الفيزيولوجي أيضا عدم رؤية واقع الحال في الصراع العربي الصهيوني الذي يشي بعدم خروجه في أي لحظة وحال عن سكة المربع الأول الذي وضع دعائمه الآباء المؤسسون للدولة العبرية وسارت على دربه ولا تزال أجيال من اليهود ليس في فلسطين وحدها وإنما حول العالم أيضا؟

الفلسطينيون أدخلوا في مرحلة التهجير الثالثة بقانون إسرائيلي بسيط ينص على إبعاد مكون رئيسي من مكونات الشعب الفلسطيني من الضفة الغربية تحت ذرائع وحجج تقول بعدم شرعية وجود فلسطيني في فلسطين لا داعي لمناقشة شرعيتها من عدمه، لأن الوجود غير الشرعي الوحيد في الضفة وغزة وفلسطين والوطن العربي عموما هو الوجود الصهيوني نفسه.

من البلاهة أيضا الحديث في ظل مقام من مقامات المربع الأول للصراع العربي- الصهيوني عن قانون دولي وشرعية دولية وقرارات أمم متحدة في معرض الرد على الهجوم الصهيوني المتواصل عموما وفصله الأخير المتمثل بعملية تطهير الضفة الغربية من عرقها الفلسطيني الأصيل على وجه الخصوص، لأن المشروع الصهيوني لم يحد ولن يحيد عن مربعه الأول .

وعن اعتبار «يهودا والسامرة» جزءا لا يتجزأ من الدولة العبرية العتيدة خاصة وأن أيا من الحكومات الصهيونية المتعاقبة لم يتخل حتى في ربيع العملية «التسووية» عن استخدام هذه المسميات العبرية للضفة الغربية.

من السذاجة كذلك اعتبار الخطوة العنصرية الصهيونية الجديدة نسفا لاتفاقات مع فلسطينيين وعرب كانت ولا تزال واهية أصلا في مربعها الأول، لأن الصهاينة لم يأخذوا تلك الاتفاقات، التي لا تساوي بنظرهم.

وكما يشي واقع الحال أكثر من ثمن الحبر والورق الذي استخدم في كتابتها، على محمل الجد في أي لحظة منذ بداية الانحراف العربي الأول والمحاولات الغبية الأولى للخروج عنوة من المربع الأول، بل استخدموها ذريعة وغطاء «شرعيين» للمضي قدما بتنفيذ مشروعهم التاريخي متمثلا بإسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل.

نظرة عابرة على ذلك المربع الأول تشي كذلك بأن الخطأ الإستراتيجي القاتل الذي يرتكبه الفلسطينيون والعرب يكمن في التماهي مع حالة خداع للذات والإمعان في التعامل مع القضية الفلسطينية وكأنها قضية الفلسطينيين وحدهم، لأنهم يغفلون بذلك تلك الحقيقة التاريخية التي يعرفها القاصي والداني .

والتي تفيد بأن حدود المشروع الصهيوني لا متناهية ولا يحددها إلا المكان الذي يحط فيه حذاء جندي إسرائيلي، فكيف توضع الحدود والمحددات وتفرض القيود لمجابهته في حين لا يزال قائما السؤال الفلسطيني المضحك المبكي: نكبة ثم نكسة ثم تهجير ثم ترحيل ثم ماذا؟

bassil@albayan.ae