من المؤكد أن الطريق إلى طوكيو لم يعد طويلا، بعد افتتاح «طيران الإمارات» و«الإتحاد» لخطيهما المباشرين من الإمارات إلى العاصمة اليابانية وانطلاق «القطرية» على الدرب نفسه، لكننا هنا نتحدث عن الانتقال، عن السفر، عن إمكانية الوصول، وهو ما يتحقق للمسافر في عشر ساعات، على وجه التقريب ذهابا، وفي إحدى عشرة ساعة إيابا.

غير أن ما يعنينا هنا هو الحوار العربي ـ الياباني، وبهذا المعنى فإن الطريق إلى طوكيو يظل طويلا حقا. وبالنسبة للبعض فإن جوهر هذا الحوار ينبغي أن يدور حول اللقاء بين النفط العربي والتقنية اليابانية، التي يختزل هذا البعض رمزها في برج طوكيو الشهير. ولكن هذا الجانب ليس إلا ملمحا واحدا من صورة بانورامية ممتدة، تدعونا للإحاطة بأبعادها الشاملة، إذا أردنا أن نحقق مقاربة جدية لها. دعني هنا أبادر إلى تذكر لمحة طريفة،ودالة أيضا،توضح مدى وعورة الأرضية التي ينطلق عليها هذا الحوار وصعوبة شقها والانطلاق فيها.

في افتتاح قصر الثقافة المشيد في القاهرة بالتعاون مع الجانب الياباني عام2000، لم يثر عرض الكابوكي الذي ساهم به الجانب الياباني حماسا يذكر، ولم يترك وراءه إلا التندر والتساؤل عن أهميته، على الرغم من أن الدارسين يعرفون أن الكابوكي، إلى جانب مسرح النو، يعدان من أبرز أشكال المسرح التقليدي الياباني.

لست أريد القيام هنا بتحليل مطول لتطور الحوار العربي الياباني، لكنني يهمني أن أشير إلى ملاحظات سريعة حول الوضعية الراهنة لهذا الحوار وكيف يمكن الانطلاق منها مستقبلا إلى آفاق أكثر رحابة.

من المهم، في هذا الصدد، الإشارة إلى النقاط التالية:

أولا ـ إن الحوار العربي الياباني لا يبدأ من الصفر، ولا ينطلق من خلفية متواضعة، ولكن ما تحقق من «احتكاك» ثقافي عربي ياباني يعود في الجانب الأعظم منه إلى جهود اليابانيين.

وليس إلى الجهود العربية، وتمثل الانطلاق من مفهوم «الاحتكاك» إلى منظور أكثر شمولا في ثلاث مبادرات محددة، الأولى هي مبادرة الحوار الثقافي بين منظمة المؤتمر الإسلامي والمركز الإسلامي في اليابان، التي أدت إلى عقد ندوة في طوكيو تحت عنوان «الشرق الأقصى والعالم الإسلامي ؟

العلاقات اليابانية الإسلامية في قرن». أما المبادرتان الثانية والثالثة فجاءتا من الحكومة اليابانية، وأسفرتا عن انطلاق الجولة الأولى لحوار الحضارات بين اليابان والعالم الإسلامي.

ثانيا ـ على الرغم من تواضع النتائج التي تم التوصل إليها في هذا الميدان، وهو تواضع يرجع في جانب منه إلى أن الطرف العربي في الحوار لم يبلور رؤية عربية متكاملة.

وإنما كان يعكس تعددا في وجهات النظر بقدر ما هنالك من مشاركات للحكومات العربية، إلى حد لم يتردد معه الجانب الياباني في الإعراب عن شكواه من أنه في الحوار العربي الياباني لا يوجد إلا محاور واحد هو المحاور الياباني الذي يجيء إلى مائدة الحوار حاملا أجندة واضحة ذات برنامج زمني ورؤية متبلورة، على الرغم من هذا كله إلا أنه لابد من التسليم بأن تحولا حقيقيا قد حدث في منظور التعاون الثقافي العربي الياباني باتجاه التعاون المتبادل، ونحو الدخول في حوار حقيقي، وإن كان التعاون في هذا الصدد يفتقر حتى الآن إلى أجندة محددة، ويتسم بالتركيز على الجانب التنموي.

ثالثا ـ تشكل العلاقة بين التعاون الثقافي العربي الياباني من جهة والتعاون السياسي والاقتصادي بين الجانبين من جهة أخرى معضلة حقيقية، فعلى حين يذهب المتأثرون بالتيارات الثقافية الغربية إلى ضرورة الفصل بين هذين النوعين من أنواع التعاون، يذهب آخرون، من بينهم كاتب هذه السطور، إلى تأكيد أن هذا الفصل يبدو عبثيا.

ويكفي أن نتذكر أن هذا الفصل هو نفسه الذي أدى إلى مساهمة اليابان في قوة الاحتلال للعراق، وهو ما فرض ارتفاع أصوات المثقفين العرب بانتقاد اليابان للمرة الأولى. ويشدد المثقفون العرب على ضرورة أن يعكس هذا التعاون بين الجانبين التعددية الثقافية، وأن يكون متعدد الجوانب، بحيث يشمل الأنشطة الفنية والكتاب والأكاديميين وممثلي الحضارة في حوار حضاري منتج وفعال.

رابعا ـ من المهم التركيز على الإطار المؤسسي للتعاون العربي الياباني. وكما هو معروف فهناك في الوقت الحالي إطار المنتدى العربي الياباني، الذي أنشئ في عام 2003، ومن المهم الانطلاق منه إلى إنشاء مؤسسة لها مقر دائم، ومجلس إدارة مشترك، ونظام أساسي واضح، وأن يعهد إلى هذه المؤسسة، ضمن مشروعات أخرى بمشروع حوار الحضارات الياباني مع العالم الإسلامي.

خامسا ـ لابد من ترجمة هذا الإطار المؤسسي ومحتواه القيمي والعملي إلى مشروعات محددة، قابلة للتقييم نجاحا وفشلا، وللمراجعة من حيث طبيعة الأداء، ويبرز في هذا الصدد وجود تجارب يمكن النسج على منوالها، ومنها «مؤسسة آسيا أوروبا»، التي تتخذ من سنغافورة مقرا لها، وتشرف على التعاون الثقافي الأوروبي الآسيوي.

ويمكن أن نتصور في هذا الصدد مشروعات عربية يابانية للتبادل بين المؤسسات العاملة في ميدان التراث ومشروعا لتبادل الفرق الفنية ومشروعا للتعاون بين المؤسسات العاملة في ميدان الإعلام ومشروعا للتبادل بين شباب الفنانين والأدباء.

وربما كان خير ما نختتم به هذه التأملات، حول الحوار العربي الياباني، هو إشارة بروفيسور يورو إيتاجاكي، مؤسس الإتحاد الياباني لدراسات الشرق الأوسط،إلى أن الحوار بين اليابان والعالم الإسلامي العربي هو حوار واعد لابد من متابعته والانطلاق فيه وصولا إلى أفضل ثماره التي تبدو أقرب إلى أيدينا مما يتصوره الكثيرون، ولا تنتظر إلا أن نشمر عن ساعد الجد، ونبدأ رحلة الألف ميل، ولو بخطوة واحدة.

kamel@albayan.ae