تطرقنا في المقال السابق للانتفاضة الثالثة والتي من المحتمل أن تشعل حرب تجر معها المقاومة الشعبية الفلسطينية واللبنانية والمتمثلة في حماس وحزب الله، ومن زاوية أخرى فهناك إمكانية أن تقوم إسرائيل بإشعالها لتهرب من ضغط السلام الأميركي عليها كما كان الحال في الحرب على غزه.

وفى كلتا الحالتين سنرى نقله نوعية في فن القتال الشعبي وحجم الدمار على الطرفين، سنحاول هنا البحث في ملابسات هذه الحرب واستراتجيه أميركا للقضاء على «الإرهاب الإسلامي».

يشكل القضاء على الإرهاب الإسلامي محور السياسة الخارجية الأميركية، فهو خطر على الأمن القومي الأميركي وعلى حلفائها وأصدقائها وعموماً على الاستقرار العالمي.

ونجاح هذه الاستراتيجية يبدأ من الإسلام والمسلمين والدول الإسلامية وهكذا أتى خطاب القاهرة للرئيس اوباما، نعم انها المصلحة الاستراتيجية العليا لأميركا وللكثير من الدول الأخرى، والسؤال هنا ماذا ستقوم به الولايات المتحدة؟

نعلم أن البداية في إعلان القاهرة حيث مد الرئيس اوباما اليد للإسلام والمسلمين والدول الإسلامية، إن أميركا تعلم اننا نرى أن «بؤرة حجه الإرهاب» تكمن في القضية الفلسطينية ويجب علاجها بالفعل وليس بالكلام.

وهكذا أتى طلب أميركا لجولة غير مباشره مؤقتة بين الإسرائيليين والفلسطينيين ووافق العرب على ذلك، على أن تكون لمدة أربعة أشهر، وكان الهدف الأميركي بناء خطوات إيجابية على الأرض وتهدئة الوضع لإيجاد أمل ملموس نحو حياة أفضل ودوله للفلسطينيين يراه الجميع وبالذات مجهوداتها في تحقيقه.

وعليه أرسلت الولايات المتحدة إلى إسرائيل نائب الرئيس الأميركي (رئيس لجنة العلاقات الخارجية السابق في الكونجرس والصديق الحميم لإسرائيل) للقيام بتدشين هذه المفاوضات غير المباشرة، وما ان حل فيها إلا أن قوبل بإعلان 1600 وحدة سكنيه جديدة في القدس الشرقية، وهذه الحركة مهندسه لتحدي وإجهاض عمليه السلام الأميركية ومصداقيتها في مشروعها.

أتى رد فعل البيت الأبيض قوياً وصريحا بأن هذا الإعلان الإسرائيلي يشكل اهانة لأميركا مما دعى وزيرة الخارجية الأميركية ان تخفف من شدة هذا التصريح أمام مؤتمر ايباك المؤيد لإسرائيل والتركيز على الصداقة الاستراتيجية بينهما، ان ما يثير الالتفات هنا إلى ما قالته «بسبب التطور التكنولوجي لأسلحة حماس وحزب الله، فإننا لا نستطيع ضمان أمن إسرائيل على المدى البعيد»، لا وبل أردفته برسالة مبطنه فحواها «السلام مصلحه استراتيجيه لأميركا».

وما يشد الانتباه تقرير الجنرال ديفيد بترايوس قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط على «ان إسرائيل باتت تشكل عبئاً على المصالح الأميركية»، ما تفسير كل هذا؟

تخشى إسرائيل من المشروع الأميركي ان يحجمها أو يفرض عليها دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة أو الأسوأ من ذلك دولة علمانية موحدة، وهي كعادتها في مثل هذه الحالات تلجأ إلى بث القلاقل أو محاولة إثارة أمور ليست بالعلاقة أو حتى إشعال حرب وذلك لتفادي المآزق المختلفة ( لعبه قديمه ومعروفه).

ولأن العمل الأميركي المباشر مع إسرائيل يهز أعمدة البيت الأبيض (الكاتب البيان 16/3/2010 ) فإنها ستلجأ إلى العمل غير المباشر لتحقيق مطالبها، وفي المقال السابق تم طرح نموذجين يشكلان استراتيجية طويلة المدى لإعادة هيكلة وترتيب المنطقة للحفاظ على نتائج الانتصار على الإرهاب، وهنا سنطرح المفهوم التحضيري نحو هذا الانتصار.

تشترك المشاريع مهما كان حجمها وأهميتها في الخطوة/المرحلة الأولى ألا وهو الإعلان عن المشروع ، وهذا الإعلان يشكل فتيلة الحدث.

وهو لا يأتي من الفراغ بل يعكس رؤية القائد (عادةً ما تكون هناك أهداف مبطنه للرؤساء الأميركان في هذه المشاريع من أهمها تخليد اسمه وإعطاؤه شعبيه اكبر للفوز بالرئاسة الثانية) وكلما كبر المشروع في أهميته وحجمه زاد النقاش والمداولات حوله إلى أن يتم التفاهم النهائي لإطلاق المشروع، ان إعلان القاهرة لم يأت عبثا (الكثير من العرب والإسرائيليين لا يفقهون ذلك).

إننا نمر في المرحلة الثانية وتعرف بالتحضيرية فهي تماماً كعملية البناء تحتاج لتحضير الأرض لوضع القواعد عليها، وتعتبر هذه المرحة أول المراحل التنفيذية وأهمها «فإذا فسدت القاعدة فسد البناء» ان المراحل التنفيذية تتسم بأهداف وزمن محدد لتحقيقها، ومن المتوقع أن تنتهي هذه المرحلة بآخر هذا العام للوصول للكثير من الأهداف الأميركية لتفتح الباب للمرحلة الثالثة (موضوع المقال القادم).

ومن أهم هذه الأهداف إنهاء الصورة السلبية لأميركا في العالم الإسلامي وإطفاء التوتر الذي تثيره المنظمات المتطرفة من العراق إلى الصومال والتحكم في شدة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، يا لها من أهداف كل اكبر وأكثر تعقيدا من الآخر.

تتطلب الفترة الزمنية القصيرة لتنفيذ هذه الأهداف الكثير من الحكمة من قبل الأميركان، لقد أصبحنا (الدول العربية والإسلامية) معامل أكاديمية لنظريات بناء الدولة فتعددت النظريات والخراب واحد، لقد فشلت نظرياتهم الديمقراطية والعسكرية والأموال التي أهدروها وتسببت في الكثير من الدمار وعدم الاستقرار الإقليمي والدولي، أما آن الأوان للرجوع للوراء حيث كانت الأمور اقل تعقيدا وأكثر مرونة.

عادهً ما تشهد هذه المرحلة إعادة ترتيب توازن القوى ويصاحبها حزمه من العنف كما نراه في كل من العراق وباكستان وأفغانستان، ومن غير المستبعد أن يطول الساحة الفلسطينية الإسرائيلية اللبنانية، إن إعادة توازن القوى بطبيعتها سياسة لوي الأذرع وفي منطقتنا يَضاف إليها كسر العظام والمزيد من إسالة الدم البارد، بأي ذنبٍ قتلوا لا ندري؟ بأي ذنب شُردوا لا ندري؟

ليس هناك نموذج يصلح لكل دوله، فإسرائيل تحتاج لحرب لكسر تعنتها وإخضاعها للمتطلبات الأميركية أما أفغانستان فهي قبليه ويجب إرجاع الاحترام لمشايخها والرجوع للتوازنات القبلية الخاصة بهم والعمل من خلالها، هذه هي ديمقراطيتهم ولا يحق لأحد العبث فيها، وهكذا من دولة لأخرى.. إننا في انتظار ما سيجلبه لنا المستقبل ولن نصدق أي شيء ونتوقع كل شيء.

كاتب إماراتي

almulla.2010@hotmail.com