بدأ الاهتمام مؤخراً بقضية المواطنة في عالمنا العربي عموماً وفي منطقة الخليج خصوصاً، ولابد من أسباب ومبررات لطرح موضوع كهذا ليصبح إشكالية تناقشها وتعالجها ندوات ومؤتمرات وكتابات فما هي، وكيف نمارسها في حياتنا؟.
المواطنة هي وعي الإنسان بالانتماء للوطن، وقضية الانتماء للوطن لا تعني حمل جنسيته فحسب، ولا الهوية الاثنية أو الأيديولوجية تحدد المواطنة.
ولقد فهم البعض المواطنة على أنها الامتيازات التي تمنحها الدولة أو انتماء الشخص الفئوي، وكان ولا يزال ذلك الاعتقاد خطأ وهو الذي أدى بشعوبنا إلى الاختلاف والنزاع والصراع وظهور الاثنيات العرقية والطائفية إلى السطح وممارستها نهاراً جهاراً دون أن تتمكن الدولة من ضبطها.
ودور الدولة هنا هاماً بجعل الناس مستقبلين ومتساوين في الحقوق والواجبات وجميع الحقوق المدنية ليكون لدى المواطن الإحساس بالمسؤولية، وتكريس ثقافة الانتماء إلى الوطن. وعلى أرض الواقع إشكالية اسمها المواطنة لأن الانتماء للوطن لم يرتقي فوق الانتماءات الاثنية الأخرى.
والاتهام موجه بالدرجة الأولى في ذلك الفشل إلى التربية والتعليم في دولنا فدورهما أساسياً في بناء المواطنة وترسيخها لدى النشء، ثم يأتي دور الدولة في تطبيق القانون، والاهتمام بالحقوق والواجبات لتعزيز الشعور بالمواطنة.
إن ضعف الدولة يؤدي إلى ضعف المواطنة فتظهر عندها الاثنيات وصراعها كما هي الحال في عدد من الدول العربية في وقتنا الحاضر، وخطرها لا يقل عن خطر حرب نووية. والبعض قد فهم المواطنة على أنها الهوية نعم للهوية علاقة بالمواطنة ولكن لا تعني المواطنة ذلك إن الهويات تتعدد في الوطن قطرياً وقومياً ودينياً وغير ذلك ولكن المواطنة واحدة.
وهناك هوية وطنية ولكنها مفتوحة لتكون غير ذلك إلا أن المواطنة هي الأساس الذي تعني الانتماء الحقيقي للأرض داخل حدودها وللقانون وللحقوق المدنية وللمجتمع وتاريخه وقيمه الجيدة والخيّرة، والمسؤولية في موضوع المواطنة مشتركة بين المواطن والدولة، والمواطنة ليست مشاعر عاطفية وشعارات بقدر ما هي انتماء حقيقي يطبقه على أرض الواقع والوطن والدولة معاً.
ويفهم البعض ويطبق المواطنة خطأ مثلاً هناك أفضلية في تشغيل وتوظيف المواطن حتى وان كان جاهلاً أو لا يعمل ولا ينتج بحجة أنه مواطن ويحمل جنسية البلد، نعم الأولوية في العمل في الوطن للمواطن ولكن المسألة ليست مطلقة بل بشرط أن يكون منتجاً يعبر عن حقيقة انتمائه للوطن.وقد يطرح البعض أن الانتماء الأيديولوجي هو فوق الوطنية وأوسع منها، مهما كان الأمر فالأساس هو الانتماء للوطن.
وما عداه من انتماءات هي ثانوية مهما كانت أهميتها، وحتى تكون الأمور أكثر وضوحاً مثلاً في مسألة الانتماء القومي والديني، فالانتماء الوطني أساساً للانتماء القومي، وأن الدين لله والوطن للجميع، ولا تعارض بين الدين والمواطنة.
إن مشكلة المواطنة اليوم هي في أزمة الهوية القطرية غير المؤتلفة والمختلفة لصالح الانتماءات الاثنينة. لقد بالغنا في تعصبنا القومي والطائفي والعنصري على حساب المواطنة.
وهذا يتطلب العمل من أجل وجود وتقوية وتنمية المواطنة ضمن شروط ترعاها الدولة كما ذكرنا، وأن تتعامل مع جميع أفراد المجتمع كمواطنين في مسألة الحقوق والواجبات في إطار القانون. وهذا لا يكون إلا في المجتمع المدني الديمقراطي.
وعودة مرة أخرى للهوية (الوطنية) لقد بدأت إبان النهوض الوطني والقومي بعد زوال الاستعمار، وتحقيق الاستقلال منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لكن ذلك الشعور بدأ يضعف في ظل ممارسة السلطة، والانتكاسات التي عاشها العرب خلال النصف الثاني من القرن العشرين حتى الآن لأسباب عديدة لا مجال لذكرها هنا.
وظهرت نتيجة لذلك نزعات أثنية متعددة في كل قطر عربي ساهمت إلى حد كبير في إضعاف الانتماء الوطني لحساب انتماءات ثانوية تتعلق بالهوية التي قد تقود إلى التعصب. فماذا تتذمر سلطات وشعوب أوروبية من الهجرة الأجنبية إليها؟!
ولماذا تطرح حقوق الإنسان بهذة الحدة في العالم في عصرنا؟! ولماذا التركيز إلى حد التعصب على الهوية سياسياً ودينياً وعنصرياً ؟! وأين البعد الإنساني لثقافة الشعوب وحضارتها؟!
لقد تمت مأسسه الهوية في انقلاب للمفاهيم ولعبت السلطات السياسية دوراً في ذلك لأن لها مصلحة في بقائها على حساب المواطنة الحقيقية المرتبطة بدولة القانون والديمقراطية والمشروعية السياسية.
لقد مرت المواطنة مفهوماً وممارسة بعدة مراحل، وفهمت وطبقت تبعاً لطبيعة الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عاشتها شعوبنا، ويفترض أن فهمنا وتطبيقنا لها يتطور مع الزمن بحكم التطور الذي نشهده في عصرنا أو الذي ندعيه في ثقافتنا المعاصرة.
ولكن مع الأسف الشديد لا نري ذلك، ولذا يمكن القول بأن هناك أخطاراً وتحديات تواجه قضية المواطنة تتمثل في الصراع الاثني العنصري والطائفي.
وفي ضعف دور الدولة في الوقوف إلى جانب المواطنة وترسيخها كما ذكرنا. والمطلوب كذلك التركيز على المواطنة وتعزيزها في التربية والتعليم في بلداننا ليس بالطريقة التقليدية والفهم الخاطئ لها بالشعارات وتمجيد الأشخاص وإنما بالفهم الصحيح للمواطنة.
ثم بعد ذلك يأتي دور المثقفين الحقيقيين لإعطاء مضمون لمفهوم المواطنة والدفاع عنها ضد الأخطار التي تهددها قلنا من قبل المثقفين الحقيقيين وليس بعض المتعلمين أدعياء الثقافة وهم عنصريون وطائفيون حتى النخاع.
إن طرح موضوع المواطنة والاهتمام به في هذا الوقت ضروري لمجتمعاتنا التي تشهد ظواهر ما فوق وما تحت المواطنة تهددها لا بل تهدد وجودنا ومستقبل شعوبنا.
كاتب كويتي