إلى أية قارّة تنتمي تركيا؟ مهما بدت درجة السذاجة في هذا السؤال فهو لا يزال بدون إجابة قاطعة مانعة يلتقي حولها الجميع خاصّة عندما يتم التعرّض للسؤال بصيغته الراهنة المحددة: هل تنتمي تركيا إلى القارّة الأوروبية؟

الحجج الخاصّة بانتماء، أو عدم انتماء، تركيا إلى أوروبا هي من طبيعة متداخلة تاريخية وجغرافية وثقافية ودينية وديمغرافية وسياسية.

الكثير من الأوروبيين يرونها غريبة عن أوروبا وعاصمتها ليست في القارّة و95 بالمئة من سكانها لا يعيشون فوق أرض أوروبية ولا تتجاوز مساحة القسم الأوروبي منها نسبة 3 بالمئة من مجموع مساحتها. هذا فضلاً عن التأكيد أنها لا تزال تلبس «الطربوش العثماني».

الآخرون لا يقبلون بمقولة الحدود الجغرافية الخالدة والأبدية للقارّات فالمهم هو القيم والتمازج الثقافي ودرجة التطوّر والرؤية المستقبلية. ويضيفون أن تركيا استبدلت الطربوش بالقبعة «الإفرنجية» وتبنّت النظام العلماني منذ مصطفى كمال اتاتورك.. وعلى خطاه.

تركيا هذه بدأ معها الاتحاد الأوروبي مفاوضات رسمية منذ 3 أكتوبر ـ تشرين الأول 2005 في أفق الانضمام إليه. البلدان الأوروبيان الأشد معارضة في السياق الراهن لانضمام تركيا إلى البيت الأوروبي المشترك هما فرنسا وألمانيا. وما يقترحانه هو «شراكة متميزة وأكثر عمقا مع أوروبا، ولكن دون انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي».

هكذا لم تكن وجبة الغداء التي جمعت في قصر الإليزيه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وضيفه الرسمي رئيس الوزراء التركي رجب طيّب اردوغان يوم 7 أبريل ـ نيسان الجاري تحتوي على الأطعمة الفرنسية الفاخرة فحسب، ولكن أيضاً وأساساً على ملفات عديدة في مقدمتها مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. ورغم العداء الصريح الذي أعلنه الرئيس ساركوزي لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي منذ وصوله إلى الرئاسة عام 2007 بحجّة «معلنة»، ولكنها أقل بكثير من الأسباب الحقيقية، هي أنها لا تشكّل «جغرافيا» جزءا من القارة الأوروبية، فإن اردوغان صرّح في البوسنة قبل أن يستقلّ الطائرة إلى باريس أن تركيا «ستكون عاجلا أو آجلا احدى دول الاتحاد الأوروبي».

بالطبع يدرك اردوغان أن اقتصاد بلاده يجد في أوروبا مجاله الأساسي. وإذا كان قد أفصح بوضوح وصراحة أن أحد أهداف زيارته إلى باريس هو تأكيد تصميم تركيا على الانضمام إلى أوروبا الموحّدة فانه أراد بالمقابل أن يؤكّد للفرنسيين.

كما أكّد قبل فترة قصيرة للألمان أثناء زيارة انجيلا ميركل لبلاده، أن تركيا ليست في موقع من «يستجدي» الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بل هي بالأحرى في موقع المفاوض القوي وأن هناك مصلحة مشتركة للطرفين.

وهذا ما عبّر عنه بوضوح في مقابلة نشرتها صحيفة «لوفيغارو» الباريسية يوم وصوله إلى باريس، 6 من الشهر الجاري، عندما قال: «ان تركيا داخل الاتحاد الأوروبي لن تكون عبئا عليه ولكنها سوف تساهم في تحسين وضعه».

وما يؤكّد عليه اردوغان باستمرار في باريس وفي كل مناسبة مع الأوروبيين عامّة هو أن أوروبا بحاجة إلى تركيا ذات موقع قوي في الشرق الأوسط بحيث تكون رافدا حقيقيا يُعزز الدور الأوروبي في النظام الدولي متعدد الأقطاب الذي ترتسم ملامحه في الأفق.

ثم إن تركيا، بما هي عليه وبطبيعة مجتمعها ونظامها يمكنها أن تكون صمّام أمان حقيقيا أمام التطرّف.

الأكيد هو أن تركيا تحدد أكثر فأكثر ماذا تريد وتسير باتجاه تحقيقه.

هكذا تبنّت حكومتها سياسة تفكيك «الألغام» التي ينصبها المناهضون لانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. ولم يتردد اردوغان في التصريح ببداية هذه السنة أن تركيا مستعدّة لسحب جيشها من شمال قبرص إذا توصّل الاتحاد الأوروبي إلى إيجاد حل لإعادة توحيد الجزيرة. ونفس منطق نزع الألغام تبنّته تركيا في مسيرة المصالحة مع أرمينيا.

وتعمل في جميع الميادين على استيفاء شروط الانضمام المطلوبة «أوروبيا». لكن ما أثار الاهتمام والتعليقات في فرنسا حول زيارة اردوغان إلى باريس ليس مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، رغم مركزيتها، فقط، بل هو بالتحديد ما قاله حول إسرائيل.

إن تركيا هي أحد بلدان الحلف الأطلسي ومرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ومرتبطة مع إسرائيل بتحالف استراتيجي.

لكن مع هذا كلّه لم يمنع اردوغان من القول لمجموعة من الصحفيين قبل لقائه بقليل مع الرئيس الفرنسي ان «إسرائيل هي مصدر التهديد الأكبر للسلام الإقليمي».

ولم ينس أن يذكّر في نفس السياق بتدهور علاقات تركيا مع الدولة العبرية منذ عدوانها الأخير على غزّة. ومما قاله: «لقد أوقع الهجوم الإسرائيلي على غزّة 1500 ضحيّة من أبنائها. والأسباب المقدّمة هي مجرّد أكاذيب».

ولم يتردد اردوغان في المطالبة بباريس بضرورة وضع مسألة السلاح النووي الإسرائيلي على طاولة النقاش ـ هذا ما كرره أيضا في واشنطن بعد أيام ـ بينما أشار بالوقت نفسه إلى أن وكالة الطاقة الدولية تحدّثت عن «احتمال».

وليس عن «قناعة ثابتة»، أن تكون إيران هي بصدد السعي للحصول على السلاح النووي وبالتالي لا يمكن معاقبة بلد على أساس «احتمالات». الفرنسيون والأوروبيون رأوا في هذا نوعا من «التواطؤ» مع إيران.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr