ثلاثة عناصر أساسية هي التي تقرر نتائج الانتخابات التي جرت في السودان: القوة المالية والقوة الإعلامية والقوة التنظيمية. وحزب «المؤتمر الوطني» بزعامة الرئيس عمر البشير هو الحزب الذي يمتلك هذه العناصر الثلاثة مجتمعة، خاصة القوة التنظيمية..
بينما تفتقر الأحزاب التقليدية المنافسة إلى أي من هذه الأدوات الحاسمة. ولذا فإن التفوق الانتخابي للحزب الحاكم بات مضموناً سواء قاطعت الأحزاب الأخرى العملية الانتخابية أو شاركت فيها.
في آخر انتخابات عامة تعددية جرت في عام 1986 أحرز حزب الأمة المرتبة الأولى من حيث عدد المقاعد البرلمانية.. وجاء في الترتيب الثاني الحزب الاتحادي الديمقراطي. وجاءت الحركة الإسلامية التي كان يطلق عليها آنذاك «الجبهة الإسلامية القومية» في المرتبة الثالثة، وفي المؤخرة كان الحزب الشيوعي.
لكن على مدى ما يقارب ربع قرن ما بين عام 1986 وعام 2010 جرت متغيرات أهمها وأشدها حسما رحيل أجيال وصعود أجيال جديدة من مواليد منتصف عقد الثمانينات وما بعده أي أجيال الفئات العمرية بين 18 عاما و25 عاما.
وإذا أضيف إليهم مواليد النصف الثاني من عقد السبعينات فإنه يمكن القول إن هذه الأجيال جميعا هي التي تحسم بقوتها التصويتية أي عملية انتخابية.
مشكلة الأحزاب التقليدية - وتحديدا حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي والحزب الشيوعي - هي أن قياداتها فقدت خلال العقود الزمنية الأخيرة الصلة التنظيمية مع القواعد الجماهيرية - وعلى الأخص مع الأجيال الجديدة الصاعدة..
علما بأن حزب الحركة الإسلامية لم يحتفظ بقوته التنظيمية فحسب بل عمل على تجديدها وتوسيع نطاقها خاصة خلال السنوات العشرين الأخيرة- أي فترة انفراده بالسلطة العليا منذ انقلاب عام 1989.
لذا لا ينبغي أن يكون مصدر اندهاش إذا أسفرت نتائج انتخابات عام 2010 عن فوز كاسح للمؤتمر الوطني على كافة المستويات الانتخابية.
وهنا ينبثق تساؤل: ماذا عن مرحلة ما بعد الانتخابات سواء على مستوى الحكم أو على مستوى المعارضة؟
نلاحظ أولا التباين بين حزب الأمة القومي بقيادة الصادق المهدي والحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة محمد عثمان الميرغني.
فبينما قاطع حزب الأمة العملية الانتخابية بكافة مستوياتها - بما في ذلك مستوى التنافس على منصب رئيس الجمهورية - فإن حزب الميرغني اتخذ موقفا مختلفا بمشاركته في التنافس الانتخابي- وعلى كافة المستويات من انتخابات المجالس البلدية إلى الانتخابات الرئاسية.
ولا يبدو هناك تفسير معقول لهذا الموقف سوى ان هناك - كما يقول مراقبون - صفقة أبرمت بين الميرغني وقيادة المؤتمر الوطني لتكون مشاركة الحزب الاتحادي نظير مكافأة سياسية موعودة بمنحه عدد من الحقائب الوزارية في حالة فوز حزب الإسلاميين.. وهو الأمر المرجح.
بناء على هذا الاستقرار فإن المغزى هو أن المعارضة الرئيسية ستبقى منقسمة على نفسها بانخراط أطراف منها في مساومات مع النظام الحاكم الجديد على افتراض الاكتساح الانتخابي لحزب المؤتمر الوطني.
«الحركة الشعبية» الجنوبية لها قصة أخرى. لقد برز انشقاق على مستواها القيادي بين جناحين أحدهما يقوده رئيس الحركة سالفاكير ميارديت وأمينها العام باقان أموم.. الأول دعا إلى مشاركة الحركة في الانتخابات (لكن دون المنافسة في الانتخابات الرئاسية) بينما دعا الثاني إلى مقاطعة كاملة.
جناح سالفاكير هو الجناح الأقوى. وهو يتبنى الدعوة إلى خيار انفصال الجنوب. وعليه فإن الهاجس الأعظم لهذا الجناح خلال الشهور القادمة حتى يناير 2011 - الموعد المقرر للاستفتاء في الجنوب - لن يكون سوى الإعداد للانفصال والترويج له.
وهنا سوف يبرز تساؤل دستوري: هل تبقى بنود وأحكام اتفاقية نيفاشا للسلام سارية المفعول، أم أن الانتخابات التي جرت خلال الأسبوع الجاري ونتائجها تُجب ما قبلها.. بما في ذلك اتفاقية السلام؟
مثلا: تنص الاتفاقية على أن السلطة المركزية لحكم السودان على المستوى الأعلى تتجسد في «مؤسسة رئاسية» ثلاثية تتكون من رئيس الجمهورية ونائب أول يمثل الحركة الشعبية (رئيسها تحديدا) ونائب ثاني شمالي (حاليا علي عثمان محمد طه). فهل يلتزم حزب المؤتمر الوطني بهذا الترتيب أم يعتبر نفسه في حل منه إذا اكتسح الانتخابات؟
بكلمة واحدة: ماذا سيكون مصير اتفاقية نيفاشا؟ وبالتالي ماذا سيكون مصير الدستور القومي الساري والذي وضع بناء على أحكام الاتفاقية؟
ولننتظر لنرى.
كاتب صحافي سوداني