ترتفع نسب التآمر في البنيات المتخلفة سواء على مستوى الممارسات السياسية أو على مستوى الحياة اليومية بجوانبها الاجتماعية المختلفة. ويدل تاريخ الانقلابات السياسية في عالمنا العربي على مدى التآمر الذي يرتبط بأهواء الأفراد وتطلعاتهم وغياب المؤسسات الراسخة التي تؤمن الانتقال السلس للسلطة بدون ممارسات دموية تصل بالبعض لسدة الحكم.

وعلى ما يبدو أنه لا توجد مسافة بين ممارسات القادة على مستوى السياسات وممارسات الأفراد على مستوى الحياة اليومية، وهو ما يطرح التساؤلات التالية: ما هي أشكال التآمر التي يمارسها الأفراد في حياتهم اليومية؟ ولماذا يلجأون إلى التآمر؟ وهل تقتصر الممارسات التآمرية على فئة دون غيرها، وعلى عمر دون آخر، وعلى نوع دون سواه؟

تنتشر ممارسات التآمر عبر كل الفئات الاجتماعية والعمرية، كما توجد بين الرجال والنساء، وبالطبع بين صغار السن. فالتآمر سلوك طبيعي يرتبط بالحياة اليومية وصراعاتها المختلفة، لكنه رهن بنوعية البنية التي يتم من خلالها.

ففي البنيات المتقدمة، المرتبطة بالنظم والمؤسسات الاجتماعية الراسخة، وبالأحكام والقوانين الواضحة، تقل ممارسات التآمر التي يمكن الكشف عنها وفضحها بسهولة ويسر.

أما البني الاجتماعية التي تحكمها الأهواء الفردية والعلاقات الشخصية والمجاملات فينتشر بها التآمر ليصبح هو الحاكم لمجمل الممارسات بين الأفراد.

ويختلف التآمر باختلاف الفئات الاجتماعية؛ فتآمر الأغنياء غير تآمر الفقراء، كما أن كليهما يختلفان عن تآمر أبناء الطبقات الوسطى الأكثر عراقة واستغراقا في ممارسات التآمر في العالم العربي.

ويأتي تآمر النساء المرتبط ببنيات تقوم على السرية والتواطؤ وأسلحة الأنثى العديدة مختلفا عن تآمر الرجال الذي يرتبط بإثبات الذات وإقصاء الآخرين وسحقهم.

يلجأ الأفراد إلى التآمر للعديد من الأسباب التي يأتي في طليعتها إحساسهم بالخوف من المحيطين بهم. ففي ظل عدم وضوح الأدوار المنوطة بكل فرد، وتشابكها مع أدوار الآخرين، تتسع دائرة الصراعات فيما بينهم، وتنشأ الشللية والأحزاب الضيقة من أجل ضمان الاستمرارية، وإقصاء الآخرين.

واللافت للنظر أن هذا الإحساس قد يكون طبيعيا مبعثه التنافس المقبول، وقد ينقلب إلى إحساس مرضي تحركه ضعف الشخصية وإحساسها الدائم بالتوتر من الآخرين. وفي أحيان كثيرة قد تخفي تلك الشخصيات خوفها وتوترها وتآمرها من خلال المبالغة في المجاملات الاجتماعية الممجوجة، ومحاولة كسب ود الآخرين.

فالخوف من الآخرين يولد لدي هذا النوع من الشخصيات رغبة معادلة أخرى في محاولة كسب ودهم ولفت الانتباه. والغريب في الأمر أن كافة المحيطين بهذه النوعية من الشخصيات يدركون مدى فجاجة ممارساتها التي تصبح بمرور الوقت من مفردات المكان الركيكة.

لا يقتصر الأمر فقط على الخوف من الآخرين، لكنه يتعداه في أحيان كثيرة إلى تصور متضخم للذات من ناحية واستهتار بالآخرين من ناحية أخرى. فالبعض يتوهم أنه مهم ويمتلك قدرات تُهيأ له القيام بأي شيء بما في ذلك التآمر على المحيطين والإطاحة بهم.

وتبرز أهمية هذا النوع إما من خلال ضعف المحيطين به وافتقارهم لمؤهلات حقيقية تبرزهم الأمر الذي يبدو هذا النوع من الشخصيات بالنسبة لهم هاما ومؤثرا، وإما من خلال شبكة العلاقات الواسعة التي يبذل قصارى جهده في الحفاظ عليها عبر مجاملاته الفجة والتنازلات التي يقدمه بشكل يومي للآخرين.

وسواء أكان التآمر بدافع الخوف من الآخرين أو بدافع الاستهانة بهم فهو لا يعتمد على شخص بعينه، لكنه يعتمد على قاعدة متسعة تتفاوت من موقع لآخر ومن مؤسسة لأخرى.

فالتآمر يبدأ بشخص واحد، هو رأس الأفعى إذا جاز التشبيه، لكنه يتوسع ليمتد إلى أفراد آخرين، يستشعر فيهم المتآمر استعدادهم للانضواء تحت مظلة مؤامرته التي ينسج خيوطها ويمدهم بطرق تنفيذها.

كما أن المتآمر لا يحب أن يبرز في الصورة، ويترك للآخرين تحمل تبعات الظهور إذا ما انكشف الأمر وبانت ملامح المؤامرة. كما أن المتآمر لديه سيكولوجية معقدة تمكنه من التآمر على الآخرين والتعامل معهم في الوقت نفسه، بل وإظهار محبته لهم.

غالبا لا يقوم المتآمر بالتنفيذ، فهو المخطط للآخرين، الذين يقلون عنه في حدة ذكائه. وغالبا لا توجد أسباب مشتركة بين المتآمر الرئيسي والمتآمرين المنفذين. ورغم ما يبدو من اتحاد الأهداف في الصورة العامة، فالواقع يؤكد وجود أهداف وتطلعات عديدة، يختلف فيها المتآمرون فيما بينهم.

وتتعدد أشكال التآمر المختلفة تعدد الأنشطة الحياتية التي نمارسها، فكل نشاط بشري مصحوب بمستويات مختلفة ومتباينة من التآمر، وهو أمر يؤدي إلى صعوبات هائلة في تحديد تلك الأشكال.

والطريقة السهلة جدا لذلك تأتي من قدرة كل منا أن ينظر حوله وعبر فضائه الخاص ليرى وبسهوله حجم المؤامرات التي تُحاك!!

moc.liamtoh@mizaledbahelas