الفقر والقهر نتيجة الفساد والاستبداد بفعل غياب العدالة الاجتماعية أو العدالة السياسية أو هما معا هو المولد الأول للانتفاضات والثورات الشعبية.. وإذا كان صحيحا أنه ليس بالخبز وحدة يحيا الإنسان في دعوة سياسية إلى توفير الحرية، فإن الصحيح أيضا أنه ليس بالحرية وحدها يعيش الإنسان في دعوة اقتصادية واجتماعية إلى توفير رغيف الخبز.

.. وهذا يعني إن توفير الخبز بتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب توفير الحرية بتحقيق العدالة السياسية في الوقت ذاته هي الشرط الأساسي لتوفير الحياة الحرة الكريمة للشعوب بما يحقق الأمن والأمان والاستقرار ويفتح الطريق للتنمية والتقدم لكل المجتمعات..

فلا أمان بلا عدالة اجتماعية ولا أمن بلا عدالة سياسية، فبغير الخبز اما أن يثور الإنسان الجائع أو يموت جوعا، وبغير الحرية إما أن يثور الإنسان المقهور طلبا للحرية أو يموت قهرا.

هذا هو الدرس الرئيس المستفاد مما جرى ويجري في المشهد القرغيزي اليوم، ومما سبقه في المشهد الأوكراني و الجورجي بل ومما يجري في دول العالم الثالث، ومن مراحل التطور الإنساني ومن مرحلة الصراع بين دعاة الديمقراطية من جهة باعتبارها الطريق إلى الحرية السياسية.

ودعاة الاشتراكية من جهة أخرى باعتبارها الطريق إلى العدالة الاقتصادية والاجتماعية، وهذا أيضا هو الدرس الذي يجب أن يفهمه ويعيه كل من يهمه الأمر في الحركات والأحزاب السياسية سواء الحاكمة أو المعارضة أو المستقلة.

ونادرا ما تصدرت قرغيزستان اهتمامات وسائل الإعلام العالمي بمثل ما يحدث الآن من انهيار لثورة السوسن الأولي، بثورة سوسن جديدة أكثر من سابقتها عنفا ومضادة لها في الاتجاه، لأنه في الحياة السياسية والاجتماعية يسري القانون الطبيعي ذاته بأن لكل فعل من طرف واحد على حساب الطرف الآخر رد فعل مساو له في القوة ومضاد له في الاتجاه.

ونحن لا نستطيع أن نقرأ أو نفهم ما جرى ويجري الآن في قرغيزستان إلا بقراءة العوامل الخارجية والداخلية معا، الخارجية فيما جرى من صراع سوفييتي أميركي في الماضي، ومن تنافس روسي أميركي في الحاضر، على العالم وعلى منطقة آسيا الوسطى بالذات..

والداخلية في إطار ما جري من صراع مفتعل بين الديمقراطية والاشتراكية، وبين الحاجة إلى العدالة الاجتماعية، وإلى العدالة السياسية، أي بين الحاجة إلى العيش بالخبز والحاجة إلى الحياة بالحرية داخل المجتمعات.

فتلك الجمهورية الصغيرة التي كانت احدى الجمهوريات السوفييتية واستقلت عنها في إطار تفكك الاتحاد السوفييتي، وتلك الجمهورية الفقيرة ذات الغالبية الإسلامية الهادئة نسبيا المحاطة بحدود الدول التي تشكل ساحة الصراع الساخن المعلن أحيانا والخفي غالبا بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في زمن ما بعد انتهاء الحرب الباردة بين الشرق والغرب في قلب آسيا الوسطى، لم تتصدر الاهتمام من قبل إلا مرات قليلة في إطار لعبة العلاقات مع أميركا تارة ومع روسيا تارة أخرى.

الأولى مع استقلال هذه الجمهورية الاشتراكية بقيادة عسكر أكاييف في إطار موجة استقلال الجمهوريات السوفييتية الآسيوية بدفع أميركي غربي داعم عام1991.

والثانية مع اندلاع أحداث ما عرف بـ «ثورة السوسن» بقيادة كرمان بك باكييف المخملية ابتعادا عن الاشتراكية ونزوعا إلى الديمقراطية احتجاجا على تزوير نتائج الانتخابات الرئاسية بحثا عن الحرية السياسية.

وذلك في إطار ما عرف بالثورات المخملية الملونة في جمهوريات سوفييتية سابقة هي على التوالي «الوردية» في جورجيا عام 2003، و«البرتقالية» في أوكرانيا عام 2004، و وثورة السوسن الأولى هي التي أوصلت الرئيس القرغيزي المعزول الآن إلى الحكم عام 2005.

والثالثة هي المشهد الحالي بانتفاضة الشعب على ثورة قادة السوسن الأولى بحثا عن العدالة الاقتصادية والاجتماعية احتجاجا على الفقر والفساد والمحسوبية وما يتصل بسيطرة عائلة الرئيس.

بالمظاهرات والاحتجاجات القوية التي قابلتها الشرطة بالرصاص الحي والذي بلغ ذروته في السابع من إبريل الماضي بما أدى إلى انهيار النظام و استقالة الحكومة وهروب الرئيس.

وهو ما يشكل نوعا من الانقلاب على أميركا التي عبرت عن القلق الشديد على ما جرى في قرغيزستان خوفا على مستقبل القاعدة العسكرية الأميركية التي طلبت الحكومة الجديدة منها تعليق الطيران منها وإليها ليبقى الجنود الأميركيون فيها عالقين.

وتوجها واضحا نحو روسيا التي أعلنت أنها لم تصنع تلك الأحداث ولكنها أعلنت تأييدها للنظام الجديد ربما عقابا للرئيس السابق على عدم إغلاق القاعدة الأميركية الموجهة لدعم الحرب الأطلسية ضد أفغانستان..

وبرغم سيطرة الثوار الجدد على مقاليد السلطة والجيش والأمن باعتراف الرئيس المعزول نفسه إلا أنه مازال مصرا على عدم الاستقالة مما يجعلنا ننتظر تطورات جديدة غالبا ما ستنتهي بما انتهت إليه أحداث ثورة السوسن بهروب الرئيس وتقديم استقالته من منفاه.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com