مثل عربي قديم أراه يصلح لكل زمان ومكان، وما أشد الحاجة إليه في زمن كثر فيه المتفيقهون، والمتشدقون، وارتفعت فيه أصوات لا هي في النعير ولا في النفير، فكم ممن تبوأوا مناصب لا يحسنون فيها سوى الاسترخاء على الكراسي الفخمة ! وكم ممن أوكلت إليهم مهام جسام -وهم خلو من الخبرة والدراية- فحولوها إلى حطام، ومع هذا لا يتورعون عن المجازفة والتخبط.
ومن الناس من يدعي الفهم، ولا يورثك سوى الهم، ولو سألته عن خطط مدروسة، وإستراتيجية واضحة، لسد أذنيك بأفعال الشروع والمستقبل، ولأغرقك في وحل من الآمال والأمنيات.
يتحدث عن غده بينما لا يدري على أي حال هو الآن، وهذه الفئة من البشر تراهم يصدّرون أنفسهم المجالس، وينفخون في كل بوق، فتسمع لهم جعجعة ولا ترى طحنا، ويرون أنهم قد بلغوا غاية الفهم والمعرفة.
فالكل دونهم، فلا يبصرون الأمور إلا بأعينهم، ولا يسمعون سوى صدى أصواتهم، فليس في العالم سواهم، وكأن الأرض أجدبت من أهل الفهم والاختصاص، فعدمت النساء أن تلد أمثالهم !
وتراهم يتحدثون عن إنجازات عظيمة لم تخلق بعد ! وخطط مطورة لم تكتب بعد ! وأفكار لا تنزل إلا وحيا من السماء!
ويأخذهم العُجْب والزهو كل مأخذ فتراهم كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد، وعندما تفتش في أرض الواقع عن الانجازات الموعودة، والخطط المدروسة،فإنك تدرك زيف الحال، فبصمات الفشل تزحف في كل مكان، فلا تملك إلا أن تحوقل وتتأسف على ما ضيّع أولئك من أموال وجهد، وما خيبوا من آمال كبيرة.
وفي الجهة الأخرى المقابلة لهذه الحال فإنك تجد أقواما من أهل الفهم والدراية، قد صُقلت معارفهم بالعلم والفهم الخبرة، يعرفون موطئ خطواتهم، فيمضون في ثقة وثبات، يرون المستقبل بعين الواقع، فيرسمون خططهم وفق أسس واضحة، وخطوات مدروسة.
ليسوا ممن يمتطون صهوات المجازفة على حساب المصلحة العامة، ولا يستمتعون بإضاعة المال والجهد، كما أنهم ليسوا من هواة المقابلات التلفزيونية، ولا التصريحات الرنانة، بل يعملون في جد وتفان، لهم مبدأ يحيون من أجله، وموقنون بأن الله يحب إذا عمل أحدهم عملا أن يتقنه، يجعلون من الحلم حقيقة، تنطق أفعالهم بصدق نواياهم.
وتشهد إنجازاتهم بإخلاصهم وتفانيهم، هم دائما مستعدون للبذل والعطاء، انتزعوا مفردة الفشل وأخواتها من معاجمهم واستبدلوها بمفردات النجاح والإنجازات، لا يطلبون الشهرة، ولا ينشبون أظفارهم في المناصب، ولا يتفردون بالرأي، فهم مؤمنون بأن الإنجازات لا يحققها فرد واحد.
وأن مسيرة التطور لا تكون إلا بتعاضد فئات المجتمعات كلها، يتبادلون الخبرات، ولا يدّعون الفهم المطلق، يكلّف كل واحد منهم نفسه ما يحسن فعله، ويترك لشريكه ما يحسنه هو الآخر، يتقاسمون المهام بينهم، فالرؤية واضحة، والغاية صادقة، ومركبهم واحد، ويكفيهم الناس مؤونة الحديث عن إنجازاتهم.
فترى الناس يثنون عليهم بأجمل العبارات، وأصدق التعابير، وينالون رضا طبقات المجتمع كافة، وتضاف أسماؤهم في سجل الانجازات،ومثل هؤلاء لا تهضم حقوقهم، ولا يضامون.
فهم يحملون شهادات الإنجازات، ويرفعون رؤوسهم في عزة وشموخ، وقد استحقوا ـ عن جدارة ـ ثقة المسؤولين وأولي الأمر. فبهؤلاء لا بسواهم تُبنى الأمم، وترقى المجتمعات، ويغدو الغد أملا مشرقا، والآمال والأمنيات واقعا مشاهدا، ويمكّنون لمجتمعاتهم موطيء قدم في مصاف الأمم المتقدمة.
كاتب إماراتي