في الأسبوع الماضي، نشرت نعومى كلاين، الكاتبة اليسارية المعروفة وصاحبة الكتاب الشهير «مذهب الصدمة»، مقالا نشرت خلاله خطابا مفتوحا كانت قد وجهته لرابطة طلاب جامعة كاليفورنيا ـ بيركلى، تدعوهم للتمسك بموقفهم إزاء مقاطعة الشركات التي تدعم الاحتلال الإسرائيلي.
فمنذ أسابيع كانت رابطة الطلاب في جامعة بيركلى قد صوتت بأغلبية ساحقة لصالح سحب استثمارات الجامعة في شركتي جنرال إلكتريك ويونايتد تكنولوجيز لأنهما «تدعمان عسكريا الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية».
وذكر مشروع القرار الذي تم التصويت عليه أن الرابطة سوف تبحث لاحقا فيما إذا كانت أموال الجامعة تستثمر في شركات أخرى تدعم الاحتلال أو تتربح من استمراره.
لكن ما إن صدر القرار بأغلبية 16 إلى 4 إلا وكان رئيس الرابطة يستخدم الفيتو ضده زاعما أنه قرار «انتقائي يركز على دولة بعينها دون اعتبار أو فهم للسياق التاريخي».
وبذلك عاد القرار إلى الرابطة التي بإمكانها التصويت من جديد لإلغاء الفيتو. وهناك بالطبع ضغوط قوية على الأعضاء لإثنائهم عن ذلك.
ومن هنا تأتى أهمية خطاب نعومى كلاين المفتوح.
فهو خطاب موجه من أحد الرموز اليهودية صاحبة الشهرة العالمية المبنية على اتخاذ عشرات من المواقف الأخلاقية والشجاعة والخطاب يدعم من صوتوا منذ أسابيع لصالح القرار ويلمح لأن الضغوط التي يتعرضون لها لا تستهدفهم وحدهم وإنما تستهدف أي من يفكر مثلهم في سحب استثماراته من شركات تدعم الاحتلال.
لكن لعل أهم ما جاء في خطاب كلاين كان ردها على منطق صاحب الفيتو الذي هو نفسه منطق أنصار إسرائيل في هذه القضية وفى غيرها. ففي فقرة مطولة، ذكرت كلاين «الأثر العالمي» الذي سيحدثه مثل هذا القرار، باعتباره يصب في «بناء حركة سلمية لإنهاء انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي».
وأشارت إلى أن العالم شهد مؤخرا كيف رفضت حكومة نتنياهو وقف الاستيطان «بما يؤكد أن الضغط السياسي وحده لم يعد كافيا لمنع إسرائيل من المضي في طريقها الكارثى الراهن».
ثم قالت كلاين صراحة «حين نقف في وجه جرائم الحرب الإسرائيلية فنتهم بأننا نميز بشكل ظالم ضد الإسرائيليين واليهود فإننا نكون إزاء تحريف فادح للغة حقوق الإنسان».
والحقيقة أن وقائع جامعة كاليفورنيا بيركلى ـ التي لم تنته فصولها بعد ـ وخطاب نعومى كلاين المفتوح هو أحد تجليات المعركة التي تدور الآن في شتى أنحاء العالم بين أنصار الاحتلال الإسرائيلي من ناحية وبين الحركة الدولية لمقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها من ناحية أخرى.
وهى حركة سلمية، يدعمها بالمناسبة الكثير من اليهود بل والإسرائيليين من أصحاب الضمائر الحية، تقوم بفضح ممارسات الاحتلال والجرائم التي يرتكبها وانتهاكاته المستمرة للقرارات والقوانين الدولية، وهدفها إجبار إسرائيل على الالتزام بالقانون الدولي.
والحقيقة أن هذه الحركة الدولية صارت بالفعل تكتسب أرضية جديدة كل يوم. فقد انضمت لها عشرات المؤسسات الأكاديمية والعمالية فضلا عن الكنائس والاتحادات التجارية، ففي الأسابيع الأخيرة نفسها التي جرت فيها وقائع جامعة كاليفورنيا شهد الطرف الآخر من العالم واقعة أخرى جرت أحداثها في نيوزيلندا، حيث نظمت المظاهرات احتجاجا افتتاح السفارة الإسرائيلية في ولنجتون.
فالعلاقات الدبلوماسية بين البلدين كانت قد تم تخفيضها فى 2004 ولمدة عام كامل حتى اعتذرت إسرائيل بعد أن تم القبض على عميلين للموساد متلبسين بالسعي للحصول على جواز سفر نيوزيلندي بشكل غير قانوني. لكن حرب غزة خلقت هناك حركة رافضة لعودة العلاقات إلى سابق عهدها.
فقد قال المتحدث باسم منظمة «لا سفارة إسرائيلية في ولنجتون» أن المنظمة تنوى أن تجعل وجودها محسوسا «ولكننا بالتأكيد لن نتمكن من جعل الوضع أسوأ من ذلك الذي تفعله إسرائيل في الناس الذين يعيشون تحت الحصار في غزة».
والحقيقة أن الحركة تزداد قوة مع تواتر الجرائم الإسرائيلية التي بلغت مداها في الأعوام القليلة الماضية والتي حدثت تحت سمع وبصر العالم كله وعلى الهواء مباشرة، حتى أن هيلارى كلينتون تحدثت صراحة عن ذلك البعد فى خطابها الذي ألقته فى مؤتمر إيباك منذ أسابيع.
فرغم أن أغلب التركيز فى عالمنا العربي كان على ما جاء في خطاب كلينتون من حديث عن دعم إسرائيل إلا أن وزيرة الخارجية الأميركية تحدثت عن المأزق الذي يخلقه صلف إسرائيل وجرائمها المستمرة.
فقد قارنت الوزيرة بين الحال في التسعينات وفى العقد الحالي. فقالت أنها كقرينة للرئيس كلينتون في التسعينات جابت العالم من أميركا اللاتينية إلى جنوب شرق آسيا. وفى ذلك الوقت، «كان نادرا ما يذكر الناس في المناطق البعيدة عن الشرق الأوسط الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
أما الآن حين بدأت أسافر كوزيرة للخارجية وذهبت إلى مناطق بعيدة جدا عن الشرق الأوسط كانت (أي قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي) هي القضية رقم واحد أو اثنين أو ثلاثة التي تذكرها تلك البلدان».
ولأن إسرائيل تستخدم ما يسمى «عملية السلام» لمجرد كسب الوقت حتى يتم ابتلاع الأرض فإن الأمل في ظني ليس في استئناف عملية التسوية وإنما في هذه الحركة العالمية السلمية. وللذين يشككون فى فاعلية هذه الحركة أقول علينا أن نتذكر حالة نظام جنوب أفريقيا العنصري. فقد كانت الحملة الدولية لمقاطعة ذلك النظام وفرض العقوبات عليه أحد أهم أسباب انهياره.
كاتبة مصرية
