في الزيارة العائلية المعتادة، نهاية كل أسبوع، لاحظ الجميع التفاف الصغار مع الكبار في المجلس، والتحدث مع بعضهم البعض، بل إن صدور الأصوات والضجيج في الجلسة جعلنا نتساءل في ما بيننا عن سر تلك الأصوات، فما الذي حدث؟ وما الذي تغير حتى تكون الجلسة كبيرة على غير العادة؟!،

إذ لا نكاد في مثل هذه الزيارات أن نتلقى تحيات سريعة من الصغار، لا تزيد في معظم الأحوال على مد أيديهم، ثم لا يلبثون أن يختفوا في غرفهم، أو يجلسوا معنا في زوايا لا نكاد نشعر بوجودهم معنا، وإن تحدثنا إليهم فلا نشعر بأنهم معنا؛ فأعينهم وأصابعهم لا تفارق أجهزة صغيرة سوداء ألبسوها أنواع وألوان الأغطية التي تتناسب وأذواقهم، وليس لهم غيرها؛ أعني «البلاك بيري»، الذي كان العطل الذي تعرض له سبباً في أن يخرج الصغار من جحورهم ويجلسوا مع الكبار.

هذا الجهاز الذي لا يزال البعض يرفض استخدامه، وإن استخدمه فلأغراض بسيطة، فيما هناك من لا يستغني عنه للحظة، ولا يفارق الجهاز يديه، حتى في أكثر الأماكن والأوقات خصوصية.

حال يدعوني باستمرار للحديث مع النفس والتساؤل: هل ما نشاهده من ولع الناس ب«البلاك بيري» حالة وتنتهي مثل غيرها، أم أننا سنتحول إلى كائنات أخرى، وسنصبح آليين، وتفقد بيوتنا الحوار، ونكتفي بالشات والـ bbm، حتى وإن كنا نجلس داخل صالة واحدة أو تجمعنا الغرفة نفسها!.

المثير أن الأمر لا يقتصر على المراهقين من البنات والأبناء، بل الأمهات مشغولات أكثر بهذا الجهاز، وشغوفات بالدردشة، ليس في البيت وحسب، ولا في مكاتب العمل التي تحولت ساعاته إلى «دردشات، وضيفيني وضفتج، وتعالي نسولف»، إلى أن يحين موعد مغادرة مواقع العمل ويستمر الحال في الطرقات، فكم من حوادث مهلكة راح ضحيتها أبرياء، وكم من حوادث كادت أن تقضي على من استسلموا لهذا الجهاز الذي لا يقوون على فراقه حتى في أشد وأصعب الأوقات.

في المراكز التجارية، سواء على مقاعد المقاهي أو في المحلات، سيراً أو وقوفاً، الجميع مشغول بما بين يديه؛ يكتب، يقرأ، يرسل، يتلقى، يلعب، يسمع، يضحك، وربما بكى، في عالم خاص لا يربطه بالمحيط به، إنه عالم البلاك بيري، مع أصدقاء قد يكونون معلومين له ويعرفهم، وقد يكونون هلاميين لا يعرفهم، لكنه يحبهم، ويعشق التواصل معهم، ويفضل وجوده بينهم على سواهم.

fadheela@albayan.ae