فاجأتني الإعلامية التونسية، البارعة، هاجر بن حسين، التي التقيت بها في بيروت، في العام الفائت، إذ اتصلت بي من اسطنبول تدعوني إلى أن أكون ضيفها في إحدى حلقات البرنامج الذي تقدمه من على منصة القناة التركية الناطقة بالعربية، والمفاجأة في غير أمر: الأول هو إنشاء قناة تركية تبث بالعربية، والثاني هو اسم البرنامج: قهوة تركية.
ليس هذا فحسب، بل إن حلقات البرنامج تسجل، مع كل ضيف، في أحد الأماكن الأثرية أو السياحية المشهورة، قصر أو فندق أو مقهى...
وقد جرى تسجيل الحلقة التي تخصني من على شرفة قصر جميل حوّل إلى مطعم، يقع في اسطنبول الاسيوية، في منطقة خلاّبة وساحرة. وقد حييت محاورتي على هذه الفكرة الطريفة، وقلت لها: لو كنت أعلم بأن التصوير سوف يتم في مثل هذه الأجواء، لما كنت أتيت بلباسي الرسمي، بل بلباس سائح.
غير أن البرنامج الذي يستضيف في حواراته أعلاماً في السياسة وفي مختلف مجالات الثقافة، يتعدى الاسم الذي أعطيَ له: قهوة تركية، والذي قد يشير إلى ماركة أو يشي بطابع ترفيهي، نحو معانٍ أوسع وأغنى، إذ هو يجسّد «الفضاء التركي» بكل ما للعبارة من الدلالات الحضارية.
التي تشير إلى معلم سياحي، أو طراز معماري، أو عالم سحري، والتي تشير بالأخص إلى مساحة ثقافية تشكّل مكاناً للقاء والصداقة والتبادل، بين العالمين التركي والعربي.
والقناة التركية الناطقة بالعربية، والتي يعمل فيها، بالطبع إلى جانب الأتراك، إعلاميون وإعلاميات من غير بلد عربي، بدأ الإعداد لها قبل عام، وقد افتتحها، مؤخراً، رئيس الحكومة التركية رجب طيّب أردوغان، الذي ظهر بوجهه العربي، وتحدّث كمحب للعرب، إذ ألقى كلمةً صادرة من القلب والعقل، بدأها واختتمها بعبارات عربية.
كما أشار فيها إلى رموز عربية في الفن والشعر، لكي يؤكد على عمق الروابط بين الأتراك والعرب، ويعلن أمام الملأ أن مصير اسطنبول لن يختلف عن مصير العواصم العربية.
وهكذا، فإن القناة المذكورة تدشّن عصراً جديداً من العلاقات بين تركيا والعالم العربي. فمن المعلوم، أنه بعد انفراط نظام السلطنة العثمانية، واستقلال البلاد العربية عنها، وانصراف كل بلد إلى شؤونه الوطنية وقضاياه القومية.
وكما فعل الأتراك أنفسهم، مرّت العلاقات التركية العربية، بفترات مدّ وجزر، بل هي وصلت في بعض المراحل إلى القطيعة أو العداء، بفعل التناقضات والصراعات الأيديولوجية والاستراتيجية والسياسية.
واليوم أخذت الأمور تتغيّر، لأن تركيا هي نفسها لم تعد كما كانت عليه، إذ هي تحاول أن تلعب دور الوسيط الفعّال في حل النزاعات الإقليمية، وكما تفعل بتدخلها في قضية الصراع العربي الإسرائيلي.
وهي، من جهة ثانية، تنهج نهجاً جديداً في علاقاتها الدولية، يقوم على الانفتاح والحوار والتبادل، وكما يتجسّد ذلك في الطريقة التي يدير بها دبلوماسية بلده وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو. هذا ما جعل تركيا تزيل الحواجز بينها وبين عدوها التاريخي: أرمينيا.
وفي ما يخص أوروبا، لقد سجل أردوغان، بانفتاحه، نقطة على أوروبا، بسعيه للدخول إلى السوق الأوروبية المشتركة، بوصفها مدى حيوياً لتركيا، فيما هم يرفضون ذلك.
أما بالنسبة إلى العالم العربي، فمن الطبيعي أن تسعى تركيا إلى إعادة بناء العلاقات مع الدول العربية على أسس وقواعد جديدة من الشراكة والتعاون والتكامل، وذلك بتوسيع وتطوير مجالات التبادل بين الجانبين، سيما وأن هناك ما يجمع بينهما من الإرث الثقافي والعمل الحضاري المشترك على مدى قرون طوال.
هذا ما عبّر عنه أردوغان بدعوته إلى إلغاء المسافة بين تركيا والعالم العربي. وهذا ما تجلى في إلغاء التأشيرات بين تركيا وبعض البلدان العربية، ومنها لبنان.
وأنا كلبناني فرحت لكوني أستطيع الدخول إلى تركيا من غير حاجة إلى تأشيرة؛ كما أني، في المقابل، أشعر بالمرارة لأنني أحتاج إلى تأشيرة للدخول إلى معظم البلدان العربية، باستثناء سوريا ومصر والأردن.
ومن الشواهد أيضاً، على غلبة منطق الشراكة والتعاون، أن العلاقات بين تركيا وسوريا كانت، في ما مضى، أسيرة مفاهيم الحرب الباردة ومنطق التوتر والنزاع. أما اليوم فهي تعود إلى مجاريها الطبيعية، بل تشهد تحسناً ونمواً في غير مجال.
تجلى ذلك في عشرات الاتفاقات التي عقدت بين الجانبين، بعد الزيارة التي قام بها أردوغان إلى سوريا في مطلع هذا العام.
ولا عجب في ذلك، فتركيا تقدم اليوم نموذجاً ناجحاً في مجالات التنمية والتحديث، لكي تلحق بركب الدول الناشئة والقوى الصاعدة على المسرح العالمي، كالهند والصين والبرازيل.
ومن المفارقات، في هذا الخصوص، أن ما حصل في تركيا، لم يكن هو المتوقع، بل كان مفاجئاً للمثقفين الحداثيين في العالم العربي. إذ كان هؤلاء ينتظرون أن تنهض بالمهمة القوى والكتل التي رفعت شعارات العلمانية والتقدم.
ولكن النقلة النوعية التي سجلتها تركيا، قد تحققت على يد حزب سياسي خرج من عباءة تيار ديني، هذا في حين فشل منظرّو الحداثة والتنمية، وباتوا على هامش القوى الأصولية. ولا يعني ذلك نجاح هذه القوى في مشاريعها.
بالعكس، فقد أخفقت هي الأخرى في معظم البلدان العربية والإسلامية، بل زادت معها الأحوال سوءاً على سوء. لا يجدر أن أغفل هنا، كون حزب «العدالة والتنمية»، قد أفاد مما تحقق في تركيا الحديثة، التي تأسست مع أتاتورك كدولة علمانية، مدنية، ديمقراطية، بالرغم مما شاب هذه التجربة من الأخطاء والإخفاق، وأخصها التعامل مع العلمانية بعقل مغلق أو بمنطق الإقصاء.
وهكذا فإن القادة الجدد لم يعمدوا إلى إلغاء منجزات الحداثة، لأنهم لم يفكروا بعقل آحادي الجانب، بل بلغة الاعتراف والتعددية، فاحتفظوا بالمكتسبات وتجاوزوا الأخطاء، وأعادوا تعريف العلمانية بوصفها تعدد القوى والأنماط والمشروعيات في المجتمع، على ما جاء في خطاب الرئيس التركي عبدالله غل، عند تسلمه سدّة الرئاسة.
والأهم من ذلك أن نجاح تركيا مرده، بالدرجة الأولى، إلى أن القادة الأتراك لم يفكروا كمنظّرين عقائديين، بل تصرفوا كساسة محترفين، همّهم تقدم مجتمعهم وازدهار بلدهم، بقدر ما فكروا بعقل منفتح على منجزات الحداثة والعولمة، وبقدر ما أداروا القضايا والشؤون بفكر حي ومركّب، خلاّق وبنّاء.
فهذا هو مفتاح النجاح: القدرة على الاختراع والابتكار. بالطبع كل واحد يدرس تجارب الآخرين ويفيد من نجاحاتهم ومنجزاتهم. ولكن كل بلد يخترع صيغته ويركب معادلته. ليس على مثال سبق، بل على نحو غير متوقع ولا منتظر، بقدر ما يخلق وقائع جديدة، تُثمر غنى وقوة.
والمقصود بالطبع القوة الناعمة التي هي لغة المستقبل، كما يتجلى ذلك في الإبداعات في مجالات الأدب والفن والعلوم والمعارف، أو في نماذج التنمية الفعّالة وأساليب الحياة الناجحة.
كاتب ومفكر لبناني
